“الإسلام الحداثي”: المدرسة التونسية نموذجا

 

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

“الإسلام الحداثي”، عنوان يستفزّ بعض القرّاء ويستثير فضول بعض آخر من القرّاء. والحقيقة، أنّنا لم نقصد بهذا العنوان الاستفزاز أو الإثارة، وإنما هو عبارة وصفية تصف واقعا ما؛ فنحن أمام منتج معرفي أنتجته مدرسة معيّنة باسم الإسلام وحسب النمط الحداثي، ومن هنا وصفناه – كما وصفه منتجوه – بأنّه “إسلام حداثي”.

هذا “الإسلام الحداثي”، ليس نتيجة توفيق أو تلفيق بين الإسلام والحداثة، وليس نتيجة “أسلمة” للحداثة، إنما هو نتيجة “تحديث” للإسلام يختلف في فكره ومنهجه ونزعته عن كلّ النظريات الاقتباسية والإصلاحية والتجديدية التي سبقته، ويتميّز – كما زعم منتجوه – بجرأة طرحه وقوّة عرضه وحبكة صنعه وبعد غوره وعمق وعيه؛ فلا غرو إذن أن نهتمّ به دراسة ونقدا عبر محاور نسلّط من خلالها الضوء على واقعه وأفكاره ورجاله بإجمال.

 

المدرسة التونسية

يتزعم تيار “الإسلام الحداثي” مدرسة تشكّلت من مجموعة من الأكاديميين التونسيين في رحاب كليّات الآداب (خاصّة) والحقوق والعلوم السياسية بتونس، وعلى رأسهم: محمد الشرفي، ومحمد الطالبي (اختلف فيما بعد مع هذا التيار في نتائجه وسمّاهم بـ””الانسلاخسلاميين)، وعبد المجيد الشرفي، وعياض بن عاشور، وحمادي الرديسي، وغيرهم ممن نهل من مناهجهم ومعارفهم وتأطّر في إطار بحوثهم ودراساتهم وحفريّاتهم (كمحمد حمزة وآمال قرامي وناجية الوريميبوعجيلة وألفة يوسف إلخ…). وتعتبر هذه المدرسة التونسية رائدة في مجال تحديث الإسلام وتنويره وفق مناهج البحث العلمية الحديثة، وهي “ظاهرة في نظر أهل الاختصاص متفرّدة في مجال البحث في العالمين العربي والإسلامي من حيث تخصّصها بدراسة الفكر الإسلامي على وجه الخصوص وبثراء المقاربات وتنوّعها وانفتاحها على تجارب دينية مغايرة” (كما قال محمد حمزة في إسلام المجدّدين، ص10-11).وقد أثنى على هذه المدرسة التونسية كثير من الحداثيين منهم محمد أركون (الفرنسي/الجزائري) وعبده الفيلالي (المغربي) وهاشم صالح (السوري)الذي اعتبر هذه المدرسة التونسية نموذجا جديرا بالاتباع في عملية الإفلات من النصوصوالخروج من الانسداد التاريخي لمشروع التنوير، فقال: “هناك جهود كثيرة هناك “المدرسة التونسية” ممثلة في عبد المجيد الشرفي ومحمد الشرفي ومحمد الطالبي وغيرهم كثير… والإسلام المستنيرهو تخفيف الإسلام من كل هذه الأثقال التي ترهق الإنسان المسلم وتشدّه عنالانخراط في العالم” (عن موقع تورس).

 

“الإسلام الحداثي” والسلطة

يعيّر التيّار الحداثي الفكر الإسلامي “الكلاسيكي المحافظ” بأنّه قريب من السلطة، وأنّ منتوجه المعرفي بتأويلاته ومفاهيمه وتصوّراته وليد التّعاضد المصلحي القائم بين الأنظمة السياسية والعلماء. وينسى هذا التيّار – بل يتناسى -أنّ وجوده وبقاءه واستمراره وامتداده كان – ولا زال – بأمر سلطة؛ سلطة مستبدّة ظالمة ديكتاتورية. فسلطة “بورقيبة” هي التي زرعت البذرة الأولى للحداثة؛ وهي “حداثة حقيقية” كما وصفها محمد الشرفي رغم اعترافه بأنّها منقوصة بفعل تصرّف بورقيبة (ينظر كتابه: الإسلام والحرّية، ص17). وسلطة “بن علي” هي التي تعهدت تلك البذرة بالرعاية والعناية والرّيبدماء الإسلاميين، مجفّفة المنابع عن بذرة الصّحوة الإسلامية، فاستلم هذا التيّار الوزارات والعمادات، وخلا له الجوّ ليمارس “المونولوج الابستيمي” معلنا عبر خطابه السردي تحديث الفكر الإسلامي. وأخيرا، فسلطة “السبسي” هي التي هيّأت لهذا التيّار سبل حصد ثمار البذرة من خلال لجنة صاغت ميثاق حزب النداء، ومن خلال لجنة أخرى سمّيت “بلجنة الحريات الفردية والمساواة” أخرجت مشروع الحداثة مفصّلا من الخفاء إلى العلن، ومن الحيّز النظري إلى الحيّز العملي، ليكون فكر عامّة بعد أن كان فكر خاصّة، وليكون مشروع دولة بعد أن كان مشروع مدرسة. وعلى هذا يشهد محمد الطالبي قائلا: “مسلمون بلا دين وبلا عقيدة وبلا واجبات وبلا صلاة وبلا تقى وبلا عبادات. هذه هي الغاية التي عمل من أجلها وحاول فرضها الديكتاتور بورقيبة المستنير بنور الأنوار… نداء تونس يتأهّب ليواصل سعي بورقيبة المشكور… لذلك جنّد أفضل الذّهنيين التونسيين لينيروا السبيل…” (عن: قضية الحقيقة، ص61).

 

“الإسلام الحداثي”: منهجا

يرى التيار الحداثي أنّ التقدّم الكبير الذي شهدته العلوم الإنسانية والاجتماعية في مختلف حقولها المعرفية (علم النفس والاجتماع والقانون والتاريخ والسياسة واللّسانيات والإناسة والأديان) حقّق “فتوحات عملاقة وقفزات نوعية تمّ بفضلها كسر حدود المعرفة التقليدية وتوسيعها إلى مجالات لم تكن تخطر على بال الآباء والأجداد” (عن: مستقبل الإسلام في الغرب والشرق، لعبد المجيد الشرفي، ص18 ). ومن هنا، يرى هذا التيّار أنّه من الضروري أن تطبّق على الإسلام مناهج البحث الحديث ونتائجه لإحداث القطيعة مع الفكر اللاهوتي الميتافيزيقي الكلاسيكي الذي أثبت عجزه عن مسايرة العصر ومواكبة التطوّر فبقي حبيس الأنماط والأنساق والمقولات المعرفية القروسطية التي لا قيمة لها في زمننا ولا معنى. ويشرح حمادي رديسي طبيعة هذا المنهج بقوله: “من بين المسلمين يستطيع أن ينفي حقيقة المعجزة القرآنية، أن يتوهم طبيعتها جزئيا مفترات، أو أيضا أن يشكّ في نبوة محمد؟ باختصار أن يفعل ما فعله سبينوزا (Spinoza) لليهود، هوبس (Hobbes) للمسيحيين، منذ ثلاثة قرون خلت؟” (عن: قضية الحقيقة، ص59).

إذا، منذ عقود من الزمن، ونحن نرى هذا التيار الحداثي متلبّسا بالحفر في “الإسلام” (نصا وفهما) واضعا إيّاه ضمن إطار التاريخ، يمارس عليه الأركيولوجيا المعرفية وفق منهج فوكو، مستعينا بآلات وأدوات الألسنية والسيميائية والبنيوية وغير ذلك؛حفر هذا التيّار في الإسلام “الكلاسيكي” أصولا وفروعا، عقيدة ونظاما، فكرة وطريقة، فلم يجد له من شيء يستحقّ التّقدير والإشادة أو يمكن أن يسهم في النفع والإفادة، فهدم بنيانه وأركانه، وسفّه عقول أعلامه ومدارسه، معلنا قتل القديم وميلاد الجديد من خلال حتمية التّحديث.

 

“الإسلام الحداثي”: نتيجة

إنّ المناهج البحثية الغربية الحديثة مجرّد أدوات معرفية، فيها الصواب وفيها الخطأ، وفيها الذّاتي وفيها الموضوعي، وفيها الخاصّ وفيها العامّ؛ ولهذا، لا يهمّنا في هذا المقام النّظر في صحّة اعتمادها كّلها أو جلّها أو بعضها، إنما يهمّنا النّظر في نتيجة اعتمادها. وبعبارة أخرى، نقول للحداثيين: ها أنتم قد اعتمدتم مناهج الحداثة وطبّقتم أدواتها وآلياتها وإجراءاتها على الإسلام في كنف الحرّية والاستقلالية، فما هي النتيجة التي توصّلتم إليها، هل خالفتم الغرب في شيء؟ هل أنكرتم على حضارته وثقافته من شيء؟ هل أثبتم للإسلام من شيء؟ والجواب: أنكم توصلتم إلى مسلّمات من قبيل: “الحداثة غربية المنشأ كونية التأثير”، و”العلمنة حتمية”، “وختم النبوة خارجي” فوجب أن يعتمد الإنسان على ذاته كمصدر معرفة ومعيار سلوك، وبالطبع فالإنسان المثال هنا: هو الكائن الغربي بمناهجه ومعارفه وثقافته وحضارته وقيمه، بأنظمته وتشريعاته وقوانينه، بإلحاده وشذوذه وإباحيّته، وهكذا انتهيتم إلى نتيجة معرفية قوامها “التّغريب المطلق”، فعلى المسلمين أن يكونوا غربيين في أفكارهم ومشاعرهم، ومفاهيمهم وسلوكهم، أو لا بأس أن يكونوا مسلمين أو يحتفظوا بإسلامهم اسما، ولكن – كما قال محمد الطالبي – “بلا دين وبلا عقيدة وبلا واجبات وبلا صلاة وبلا تقى وبلا عبادات”.

 

خاتمة

رغم ما يظهر على هذه المدرسة الحداثية من إلمام بالمعارف وإطّلاع على الثقافة العالمية ودراية بالثقافة الإسلامية، إلّا أنّها في واقعها عالة على الغرب في تفكيره ومنهجه ونتائجه ولغته، ولا نرى بروزها وظهورها – بغضّ النظر عن دعم السلطة لها – إلّا بسبب تقصير المسلمين في أداء مهمّتهم الدّعوية وعزوفهم عن خوض الصراع الفكري. ولهذا، فإنّنا ندعو أصحاب الفكر الإسلامي إلى تحمّل مسؤوليتهم والقيام بواجبهم وخوض الصراع الفكري مع هذه الفئة التي تغوّلت في المجتمع واكتسحت حقول التعليم والسياسة والإعلام. ونذكّرهم بأنّ النّجاح رهين الانطلاق في دراستهم ونقدهم لهذه الظاهرة المسمّاة بـ”الإسلام الحداثي” من منطلق الإسلام الهجومي، لا الإسلام التوفيقي أو التلفيقي أو الدفاعي – كما هو صنيع بعض الكتّاب -؛ فليكن هدفهم الطلب لا الدفع. ذلك، أننا نرى في الإسلام الأصيل – كما هو في ذاته معرّفا لذاته – دون تبديل أو تعديل أو تحديث، قمّة الرّقي الثّقافي والحضاري، وهو قادر على الديمومة والاستمرار وتجاوز عقبة كلّ معركة فكرية أو صراع بما فيه من آليات تضمن فيه الحركية والإنشاء والارتقاء والإبداع، وهو أيضا قادر على التّوسع والانتشار المعرفي بما أوتيه من حجج وبراهين فيها قابلية الإقناع، بشرط عمق فهمه والوعي عليه وحسن تأديته والدعوة إليه. فعليهم إذن أن يتجاوزوا عقدة النّقص أو الخجل، وينطلقوا من اعتزاز بهذا الدّين وثقافته وحضارته، وافتخار وابتهاء بمنتوج علمائه المعرفي المتراكم عبر القرون رغم تسليمنا بعدم عصمتهم ووقوع الخطأ فيما أنتجوه.

 

 

19 ذو الحجة 1439هـ