معرفة الدليل لا تعني الاجتهاد


ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

يظنّ بعض الناس أنّ أخذهم للحكم مع دليله اجتهاد منهم في المسألة، والصحيح أنّ معرفة دليل الحكم الشرعي لا تعني الاجتهاد. وللوقوف على هذا نحتاج إلى بيان بعض المسائل:

معنى التقليد والاجتهاد:

أمّا الاجتهاد فهو: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من نفسه العجز عن المزيد فيه.

وعرّفه ابن الحاجب بقوله: “استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي” (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4 ص528) وقال السبكي: “ومعنى استفراغ الوسع بذل تمام الطاقة بحيث تحس النفس بالعجز عن المزيد” (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4 ص529).

وقال الزركشي: “هو لغة: افتعال من الجهد، وهو المشقة، وهو الطاقة. ويلزم من ذلك أن يختص هذا الاسم بما فيه مشقة، لتخرج عنه الأمور الضرورية التي تدرك ضرورة من الشرع، إذ لا مشقة في تحصيلها، ولا شك أن ذلك من الأحكام الشرعية. وفي الاصطلاح: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط، فقولنا: “بذل” أي بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب حتى لا يقع لوم في التقصير… وإنما قلنا “بطريق الاستنباط” ليخرج بذلك بذل الوسع في نيل الاحكام من النصوص ظاهرا أو بحفظ المسائل واستعلامها من المعنى أو بالكشف عنها من الكتب، فإنه وإن سمي اجتهادا فهو لغة لا اصطلاحا” (البحر المحيط في أصول الفقه، ج6 ص197).

وأمّا التقليد فهو: “العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة. وهو مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه” (كما قال الآمدي، في الإحكام، ج4 ص445).

وقال ابن الحاجب: “فالتقليد: العمل بقول غيرك من غير حجة” (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4 ص581).

وقال إمام الحرمين: ” اختلف الأئمة في حقيقة التقليد وماهيته، فقال قائلون: التقليد هو قبول قول الغير من غير حجة… وقال قائلون: التقليد قبول قول الغير وأنت لا تدري من أين يقوله…” (البرهان، ج2 ص1357).

وقال السبكي: “التقليد أخذ القول من غير معرفة دليله” (حاشية البناني على شرح الجلال على السبكي، ج2 ص392).

وقال محمد أمين المرابط: “والتقليد (هو التزام) الأخذ ب(مذهب الغير بلا علم) أي: من غير معرفة (دليله) الخاص وهو (الذي تأصّلا) أي: صار أصلا ومستندا لمذهب ذلك الغير سواء عمل بمذهب الغير أو لم يعمل به لفسق أو غيره وسواء كان المذهب فعلا أو قولا أو تقريرا” (مراقي السعود إلى مراقي السعود، ص450).

صفة المجتهد والمقلد:

قال أبو الوليد الباجي: “صفة المجتهد أن يكون عارفا بموضع الأدلة، ومواضعها من جهة العقل، ويكون عارفا بطريق الإيجاب وبطريق المواضعة في اللغة والشرع. ويكون عالما بأصول الديانات، وأصول الفقه، عالما بأحكام الخطاب من العموم والأوامر والنواهي والمفسر والمجمل والنص والنسخ وحقيقة الإجماع، عالما بأحكام الكتاب والسنة والآثار والأخبار وطرقها والتمييز بين صحيحها وسقيمها، عالما بأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبما أجمعوا عليه وما اختلفوا عليه، عالما من النحو والعربية ما يفهم به معاني كلام العرب. ويكون مع ذلك مأمونا في دينه موثوقا به في فضله. فإذا كملت هذه الخصال كان من أهل الاجتهاد، وجاز له أن يفتي، وجاز للعامي تقليده فيما يفتيه فيه” (الإشارة في معرفة الأصول، ص 327-328).

وأما المقلّد فهو كل من لم يحصّل صفة المجتهد.

الفرق بين التقليد والإتباع:

ذهب بعض العلماء إلى التفريق بين التقليد والإتباع، ومنهم ابن خويز منداد المالكي القائل: “التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة، والإتباع ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل إتباع قوله فأنت متبعه، والإتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع” (عن جامع بيان العلم لابن عبد البر، ج2 ص117).

وقد قال هؤلاء العلماء الذين جوّزوا الإتباع ومنعوا التقليد: “إنّ الناس حولنا فيهم المجتهد نادرا، والمقلد كثيرا، ونلاحظ وجود قسم آخر وسط بين النوعين السابقين وهذا ما نسميه الإتباع، ونسمي أصحابه متبعين. وهؤلاء طائفة ليس عندهم القدرة على الاستقلال في البحث وفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها، ولكنهم في نفس الوقت يفهمون الحجة ويعرفون الدليل، فتسميتهم مقلدين ظلم لمعرفتهم بالدليل، وليسوا مجتهدين لعدم استقلالهم بالنظر” (عن التقليد وأحكامه لسعد الشثري، ص32).

معنى معرفة الدليل:

قال الجلال المحلي: “وأخذ القول مع معرفة دليله فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل؛ لأن معرفة الدليل إنما تكون للمجتهد لتوقفها على معرفة سلامته عن المعارض بناء على وجوب البحث عنه وهي متوقفة على استقراء الأدلة كلها، ولا يقدر على ذلك إلا المجتهد” (حاشية البناني على شرح الجلال على السبكي، ج2 ص393).

وعليه، فإن معرفة الدليل عند بعض العلماء تعني الاجتهاد؛ لأنّها لا تكون إلا للمجتهد. ومن هنا وجب التفريق بين نوعي المعرفة المذكورة للمجتهد ولغير المجتهد وهو الذي أطلق عليه بعضهم اسم المتبع، فنقول:

معرفة المتبع للدليل تعني أخذه للحكم الشرعي مع دليله من عالم دون أن يعرف أدلة المخالف للمسألة ووجه الخلاف. كأنّ يسأل عن قضاء صوم التطوّع، فيقال له: هو واجب بدليل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: “كنت أنا وحفصة صائمتين، فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنةَ أبيها، قالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم، فعُرض لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوماً آخر” رواه أحمد.

وأما معرفة المجتهد للدليل فتعني بذل وسعه للإلمام بأدلة المسألة كلها، والنظر فيها لاستنباط الحكم. كأن يقول في مسألة قضاء صوم التطوّع:

“ذهب أبو حنيفة إلى أن الصائم تطوُّعاً يلزمه إِتمام صومه وعدم قطعه إلا لعذر، فإن قَطَع صيامَه لعذر لزمه القضاء ولا إثم عليه، وإن قطعه لغير عذر لزمه أيضاً القضاء وعليه الإثم. وقد حكى الترمذي عن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا وجوب القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس. ورُويت عن مالك روايةٌ أخرى: أن لا قضاء عليه إذا كان الإفطار لعذر. وذهب سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه والجمهور إلى جواز الإفطار، لا سيما إذا كان قد دُعي إلى طعام، وإلى استحباب القضاء، وقد رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين .

وقد استدل القائلون بوجوب القضاء بما يلي:

أ – عن عائشة رضي الله عنها قالت {كنت أنا وحفصة صائمتين ، فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فبدرتني إليه حفصة ، وكانت ابنةَ أبيها ، قالت : يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم ، فعُرض لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه ، فقال : اقضيا يوماً آخر} رواه أحمد ( 26797 ) وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك والطحاوي . ورواه ابن حِبَّان ( 3517 ) بلفظ {… أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين ، فأُهدي لنا طعامٌ فأفطرنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوما مكانه يوماً آخر} وفي رواية ثانية لأحمد ( 25607 ) بلفظ { … فقال : أَبدلا يوماً مكانه}.

ب – عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال {صنعتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً ، فأتاني هو وأصحابُه ، فلما وُضع الطعام قال رجل من القوم : إني صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعاكم أخوكم وتكلَّف لكم ، ثم قال له: أَفطرْ ، وصُم مكانه يوماً إن شئت} رواه البيهقي ( 4/279 ) والطبراني في المعجم الأوسط والدارَقُطني وأبو داود الطيالسي بسند حسَّنه ابن حجر .

ج – قال سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا أَطيعوا اللهَ وأَطيعوا الرَّسولَ ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم} الآية 33 من سورة محمد.

أما القائلون باستحباب القضاء وعدم وجوبه فقد استدلوا بما يلي:

أ – عن أم هانئ رضي الله عنها { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شراباً ، فناولها لتشرب ، فقالت : إني صائمة ، ولكن كرهتُ أن أَرُدَّ سُؤْرَكَ ، فقال، يعني إن كان قضاءً من رمضان فاقضي يوماً مكانه ، وإن كان تطوُّعاً فإن شئتِ فاقضي ، وإن شئتِ فلا تقضي} رواه أحمد ( 27449 ) والدارمي والنَّسائي والترمذي والبيهقي والدارَقُطني. قال الترمذي [حديث أم هانئ في إسناده مقال] وفي رواية ثانية للترمذي ( 728 ) بلفظ { … فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصائمُ المتطوِّع أمينُ نفسه ، إن شاء صام وإن شاء أفطر} .

ب – حديث أبي سعيد الوارد في بند ب من أدلة القائلين بوجوب القضاء وفيه ( أَفْطِر وصُمْ مكانه يوماً إن شئت ) .

بالنظر في هذه النصوص نجد ما يلي: إن حديث عائشة الذي رواه الإمامُ أحمد وغيره وفيه ( اقضيا يوماً آخر ) ضعَّفه البخاري والنَّسائي وأحمد وضعَّفه الخلاَّل وقال: توارَد الحُفَّاظُ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقال الترمذي [… رُوي عن ابن جُرَيج قال : سألتُ الزُّهري فقلت : أَحدَّثك عروةُ عن عائشة ؟ قال : لم أسمع من عروة شيئاً ، ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناسٍ عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث ] فالحديث منقطعٌ فلا يصلح للاحتجاج فيترك . وأما حديث أم هانئ الذي رواه أحمد وغيره وفيه ( وإن كان تطوعاً فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي ) فضعيفٌ هو الآخر ولا يصلح للاحتجاج ، وذلك أنَّ فيه سِماكَ بن حرب، وهو ضعيف عنه المحدِّثين، إِضافةً إلى أن فيه مجهولاً هو الراوي عن أم هانئ ، فمرة يقال هرون بن ابن أم هانئ ، ومرة يقال هرون بن بنت أم هانئ ، وهرون مجهول. قال يحيى بن القطان : لا يُعرَف. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مجهول. فيُطرح هذا الحديث . وأما الآية الكريمة {… ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم } فهي عامة لم تَرِد في موضوع الصوم، والعام يُعمل به ما لم يرد ما يخصِّصه فيُحْمَل العام على الخاص، وفي مسألتنا هذه جاء الإذن للصائم المتطوع أن يفطركما ورد في حديث أبي سعيد، بل وفي العديد من الأحاديث الصحيحة، وهي خاصة بالصوم فيُعمل بها وتُحمَل الآيةُ عليها. ولست في حاجة لإِيراد هذه الأحاديث كلها وحسبي أن أذكر حديثاً صحيحاً واحداً، هو ما رُوي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت {دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فقال : هل عندكم شيءٌ ؟ فقلنا : لا ، قال : فإني إذن صائم ، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا : يا رسول الله أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقال أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل} رواه مسلم ( 2715 ) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. والحَيْس هو طعام من سمن ولبن جامد وتمر.

وإذن فإن جواز قطع صيام التطوع جاءت أحادث كثيرة به، وجاءت به دون إيراد أي عذر… أما قضاء ما قُطع من صوم التطوع فهو غير واجب ولا يوجد نصٌّ صحيح أو حسن يأمر به على سبيل الإِلزام، فيبقى حكمه حكم صيام التطوُّع ابتداءً، دون أي فارق بينهما…” (عن الجامع لأحكام الصيام لمحمود عويضة، ص112-115 بتصرف).

وقد وضّح هذا المثال الفرق بين معرفة المتبع للدليل ومعرفة المجتهد للدليل؛ فمعرفة المتبع لا تعني أكثر من سماعه للدليل وحفظه له، بخلاف المجتهد الذي لديه القدرة على محاكمة الأدلة والنظر فيها والترجيح بينها بناء على ما توفّر لديه من معلومات شرعية ولغوية تمكنّه من استنباط الرأي بنفسه.

والحاصل:

ينقسم الناس في معرفة الحكم الشرعي إلى قسمين: مجتهد ومقلّد؛ لأن الواقع أنّ الشخص إما أن يتوصل إلى الحكم باجتهاده أو يتوصل إليه باجتهاد غيره أي يقلّده فيه. والتقليد يصدق على العامي كما يصدق على المتبع؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى سمى التقليد إتباعا. قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ} وقال: {وَإِذَا قِيل لَهم اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كان آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

فالشخص الذي يتبع رأي الآخر دون أن يحاكم الدليل الذي اعتمده يصدق عليه وصف المقلد وإن عرف الدليل؛ لأنه لم يستنبط الحكم بنفسه وإنما أخذ الحكم الذي استنبطه غيره. وعليه، فإن أخذ الحكم مع معرفة الدليل لا يعني الاجتهاد.

بقي أن نقول: إن حال المقلّد المتبع أفضل من حال المقلّد العامي، ومن لم يقدر على الاجتهاد فعليه على الأقل أن يبذل الجهد في إتباع الرأي المقرون بالدليل من خلال ملازمة دروس الفقه والحديث ونحوها حتى يحصّل ملكة الترجيح بين الأدلة.

24 ذو الحجة 1430هـ