التفكير الاستراتيجي هو أرقى أنواع التفكير السياسي

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

إننا نعيش في الواقع، ونتعامل مع الواقع، ونتفاعل مع الواقع؛ فنتوقعه أحيانا أي نتصور وقوعه قبل أن يصبح واقعا، ونصفه أحيانا أخرى أي نشرحه ونحلّله بعد أن أصبح واقعا، ولكننا – مع الأسف – لا نصنع الواقع رغم أنّ صناعته هي الغاية والهدف والعمل.

إنّ وصف الواقع بعد وقوعه مظهر من مظاهر السطحية والسلبية في التفكير، وتوقّع الواقع قبل وقوعه (إذا صحبه عمل) مظهر من مظاهر العمق والإيجابية في التفكير، وأمّا صناعة الواقع (بالهدم والبناء أو بالتغيير والإنشاء) فهي بلا شكّ مظهر الاستنارة والفاعلية والعبقرية في التفكير.

صناعة الواقع هي التعبير الأمثل عن مفهوم الريادة والقيادة؛ فأنت الفاعل ولست المنفعل أو المفعول به أو فيه أو معه أو له، وأنت الصانع لا المصنوع، وأنت المتبوع لا التابع. وهذا هو ما يسمّى بالتفكير الاستراتيجي الذي يعدّ أرقى أنواع التفكير السياسي.

فأعمال الكشف والإماطة والتحليل السياسي تعني النظر في الواقع قبل أو بعد حدوثه، وأمّا التفكير الاستراتيجي فهو صناعة الواقع وصياغته وإحداثه، ولا شكّ أنّه يتطلب تلك العناصر الثلاثة المذكورة كمواد ملهمة مفهمة ولكنّه يتجاوزها؛ فلا يكتفي المفكر الاستراتيجي بتوقع الفعل بل يوقع فعلا، ولا يكتفي بوصف الحدث بل يحدث حدثا. ولهذا، فإنّ هذا النوع من التفكير يتطلب جملة من المواصفات والشروط العالية المعيار والمقدار، منها:

  • الإيمان الراسخ: بالمبدأ عقيدة ونظاما، فكرة وطريقة.
  • الإحساس المرهف: فيُحسّ بما في المجتمع من علاقات وأفكار ومشاعر، وبما يجري فيه من وقائع وأحداث.
  • الذكاء والعمق في التفكير: ليُميّز بين الكليّات والجزئيات، وبين الكيفيات الثابتة والمتغيّرة، وبين الممكنات وغير الممكنات، وبين الأساليب المنسجمة مع الفكرة والطريقة وغير المنسجمة.
  • الخيال الخلّاق: فيُتصوّر غير الموجود كأنه موجود ليُعمل على إيجاده؛ فهو خيال لأنه يتعلّق بواقع غير موجود ويُتخيّل وجوده، وهو خلاّق لأنه غير موجود ويُعمل على إيجاده. فهو فكر واقعي لأنه حكم على واقع محسوس، وهو فعل لأنه نشاط بشري يقتضي فعالية مؤثرة في الممكنات، وبعبارة أخرى، فهو تغيير الواقع إلى واقع أو استبدال الواقع بواقع.
  • الواقعية: فتُحدّد نقاط القوة والضعف بنزاهة وأمانة وموضوعية، وتُستعمل الإمكانات المتوفرة دون تكلّف وبلا إفراط ولا تفريط.
  • الجرأة والشجاعة: فيؤتى بغير المتوقع ويُتفنّن في إبداع الجديد مع الاستعداد للتغيير والتعديل في الأساليب والوسائل إذا ثبت فشلها وغلب على الظنّ عدم فائدتها.
  • سعة الأفق: فيُنظر إلى الأمور ببصيرة ثاقبة تنفذ إلى المستقبل لتتوقع النتائج فتُصحّح الأخطاء ويُبنى على النجاحات المتحقّقة.
  • رحابة الصدر: لقبول النّقد البنّاء واستدراك النقائص، ورحم الله أيوب السختياني القائل: «إِنَّكَ لَا تَعْرِفُ خَطَأَ مُعَلِّمِكَ حَتَّى تُجَالِسَ غَيْرَهُ».
  • الحيوية: فلا يعرف المفكر الاستراتيجي الكلل ولا الملل، ولا يعرف العجز ولا الكسل، ويوجد لكلّ مشكلة حل.
  • الوعي والفقه: فيُفصل بين النقل والعقل؛ فالطريقة ثابتة شرعا لا تقبل النظر فيها البتة، وأمّا الوسائل والأساليب (في مجملها) فهي مجال إبداع العقل وهي محلّ النظر عملا وردا.
  • المبدئية: فيؤثر المفكّر الاستراتيجي ولا يتأثر، ويغيّر ولا يتغيّر، ويحافظ على الثوابت والأهداف.
  • العقلية المنظّمة: التي تفكّك الغاية إلى أهداف ضمن خارطة طريق، وتضع لكلّ هدف خطّة تناسبه، وتحدّد لكل خطّة الأساليب والوسائل التي تلائمها، وتكلّف بكل عمل ونشاط ومهمّة أصحاب الكفاءات بعيدا عن الولاءات والمجاملات.

ومع الأسف الشّديد، فإنّ التفكير الاستراتيجي نادر في الأمّة الإسلامية في هذا الزمن، قلّ من يتمتّع به أو يهتّم بشأنه، والغالب على مجموع الأمّة التأثّر بالأحداث والوقائع، والتقليد في الأعمال والأساليب والوسائل والشعارات والنشاطات، وإنّ شذّ شاذّ بالتفكير في رسم خطّة، واستشراف المستقبل برؤية، وتجشّم عناء الإبداع على غير منوال، أتّهم بأنّه مقوال غير فعّال، ووصف بالمنظّر المتفلسف السّابح في وهم الخيال.

فمتى تدرك هذه الأمّة الخيّرة، أنّ التفكير الاستراتيجي هو سفينة النجاة؟ ومتى يدرك أصحاب العقول النيّرة أنّ الطوفان قادم، وعليهم الإسراع بصناعة الفلك؟ فإن مرّ عليهم الساخرون المستهزئون بعملهم قالوا: {إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)}.

16/03/1441هـ