نقض مشروع القضاء على العنف ضدّ المرأة

ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

في الوقت الذي لا يجد فيه الناس متسعا للتفكير سوى في لقمة العيش نتيجة للوضع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه البلاد، تجد فئة فرنكوفونية لائكية حداثية الفرصة السانحة لتمرير مواقفها ومخططاتها الرامية لقلع ما تبقى في نفوس الناس من مخلفات الحضارة الإسلامية وما ترسّب في أعماقهم من بقايا الثقافة الدينية، فتعرض هذه الفئة المشروع تلو الآخر، ومنها ما يسمى بمشروع القضاء على العنف ضدّ المرأة (عدد60 لسنة 2016م).

وقد جاء في أوراق هذ المشروع (ضمن: شرح الأسباب) أنّ السبب الدافع لوضعه هو “تكريس ما نص عليه الفصل 46 من الدستور بخصوص اتخاذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة سيما بعد ما بيّن المسح الميداني الذي أنجزه الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري على عيّنة تمثيلية شملت 3873 امرأة ضمن الشريحة العمرية 18-64 سنة، بأنّ 47.6 % من النساء في تونس تعرضن لأحد أنواع العنف على الأقلّ مرة واحدة طيلة حياتهن وأن 32.9 % من النساء صرحن أنهن تعرضن لأحد أنواع العنف على الأقل مرة واحدة خلال ال12 شهرا المنقضية”.

هذا الكلام يوحي للقارئ بأنّ مشرّع المشروع اعتمد في صياغته على معطيات موضوعية علمية مبنية على علم الإحصاء ومناهج الدراسات الميدانية، وأنّه تحرّك لاتخاذ التدابير الضرورية والاجراءات اللازمة بناء على أرقام مخيفة مرعبة تثبت الحاجة إلى ردّ الفعل العاجل والسريع للقضاء على العنف ضدّ المرأة. والحقيقة، أنّ الأرقام التي ذكرت هنا لا معنى لها ولا قيمة. وإليك تفسير ذلك:

  1. المسح الميداني الذي أنجزه الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري تمّ سنة 2010م أي قبل أكثر من نصف عقد من الزمن، ولم تراجع الأرقام ولم تحيّن رغم الإقرار بلزوم مراجعتها وتحيينها. ففي حوار مع مجلة الكريديف الفصلية (عدد نوفمبر2014م) التي تصدر عن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة، صرّحت نائلة شعبان كاتبة الدولة للمرأة والأسرة بما يلي حول الأرقام المذكورة: “الدراسة التي قام بها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري حول العنف الأسري، قدمت أرقاما خلال سنة 2010 أفادت بأن 47.6 %من النساء هن ضحايا العنف بمعدل امرأة على اثنين والعنف الجسدي 31.2 وهي مرتفعة ومخيفة في الآن نفسه… سنتولى تحيين هذه الأرقام بعد الثورة [لأن الدراسة تمت قبل الثورة] وسنقوم بعملية تقييم لهذه النسب هل تقلّصت أم ارتفعت”. وهذا الأمر لم يحصل، فوقع اعتماد النسب وفق الدراسة المذكورة رغم تصريح كاتبة الدولة بأنها غير محيّنة وتحتاج إلى تحيين وإعادة تقويم.  والعجيب في الأمر، أنّ الديوان الذي أنجز المسح يعترف هو نفسه بأنّ بعض النتائج ( المتعلقة بالعنف المعنوي/السيكولوجي) لا يمكن اعتمادها كمقياس ويمكن اعتمادها كمنطلق فقط (ينظر ” Rapport enquête nationale sur la violence à l’égard des femmes en Tunisie ONFP –AECID-Décembre 2010 ” ص61). ومع ذلك، فقد أدرجت الارقام وكأنها نهائية قطعية يقينية لا نقاش فيها ويجب اعتمادها بغض النظر عن أي شيء. وهذا بلا شكّ يدلّ على عشوائية وعدم موضوعية، كما يدلّ على أنّ مشرّع المشروع في عجلة من أمره وأنه مدفوع بقناعات خاصة يسابق الزمن لتمريرها. 
  2. لاحظنا في كلام نائلة شعبان كاتبة الدولة للمرأة والأسرة قولها عن الأرقام: ” وهي مرتفعة ومخيفة في الآن نفسه “، وهذا الكلام له غاية بالطبع وهي التهويل والمبالغة من أجل تبرير تشريع القوانين التي يريدها الغرب وتريدها فئة معينة في المجتمع. ولكن، إذا نظرنا في الأرقام المذكورة نظرة موضوعية، يتبيّن لنا أنّ الإحصاء أو المسح غير دقيق ولا يمكن اعتماده؛ إذ شمل المسح الميداني كما قيل: ” عيّنة تمثيلية شملت 3873 امرأة”، وهذا الرقم لا قيمة له إذا قورن بعدد السكان. وبلغة الأرقام تمثّل العينة التمثيلية: 0.03 % من مجموع سكان تونس البالغ 11 مليون نسمة، و 0.06 % من مجموع عدد الإناث في تونس الذي يبلغ 5596404 وفق إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2015م. فهل يعقل بناء على هذه الأرقام أن تعمّم الظاهرة وتجنّد لها الطاقات من أجل تشريع القوانين وتشديد الإجراءات والعقوبات؟ ولماذا لم يعتمد مشرّع المشروع سجلات المحاكم والقضاء والشرطة والمستشفيات ليدعم موقفه بمعطيات واقعية قد تضفي مصداقية على كلامه؟ ألا يدلّ هذا أيضا على التسرّع والعشوائية؟ ألا يدلّ هذا أيضا على وجود مشاريع حضارية جاهزة تريد فئة معينة اسقاطها على المجتمع بالقوة والإكراه؟
  3.   المسح الميداني لا يمكن أن يكون موضوعيا لأنه مرتبط بثقافة الشخص ورؤيته الخاصة، ولهذا فإنّ الجامع للمعلومات ينطلق من مفاهيمه وتعريفاته، ويسأل أسئلة موجهة غير بريئة ليحصل على الجواب الذي يريده. كما أنّ الشخص الذي توجه له الأسئلة لا يمكن التأكد من نزاهته وموضوعيته؛ فقد يعطي أجوبة صادقة، وقد يعطي أجوبة كاذبة. ومثال ذلك: شمل المسح الميداني 2.6% مطلقات من مجموع 3873 امرأة، فهل يمكن التأكد من نزاهتهن حين الحديث عن العنف الموجه لهن من أزواجهن؟ وشمل المسح 22.7% غير متزوجات من مجموع 3873 امرأة، فهل يمكن التأكد من نزاهتهن حين الحديث عن العنف الموجه لهن من الآباء كمنعهن من الخروج من البيت أو اللقاء بالصديقات (المعتبر من أشكال العنف وفق تعريف السمح الميداني)؟

علاوة على هذا، فالأمر لا يتعلّق بالنزاهة فقط إنما يتعلّق بالمفاهيم والأفكار المحددة لمفهوم العنف. فقد اعتمد مشرّع المشروع زاوية محددة لتعريف الظاهرة وانطلق من فكرة “الجندر” أو “النوع الاجتماعي” وتوسّع في تحديد مفهوم العنف ليشمل “كلّ اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضدّ المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس”، وهذا المفهوم اعتمده المسح الميداني أيضا لأنه المفهوم المقرّر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ضمن إعلان القضاء على العنف ضد المرأة الصادر سنة 1993م. ولكن، واقع الأمر أنّ هذه المفهوم أو التعريف للعنف غير مدرك أو غير مفهوم لنسبة كبيرة من النساء: ومنهن الأميات (24.6% من مجموع 3873 امرأة)، وذوات المستوى التعليمي المنخفض/الابتدائي (31.5% من مجموع 3873 امرأة), وهذا كلّه يطعن في مصداقية ما يسمى بالمسح الميداني ويؤكد عدم موضوعية نتائجه.

جاء في الفصل الأول (الباب الأول، أحكام عامة) من مشروع قانون القضاء على العنف ضد المرأة، ما يلي: “يهدف هذا القانون إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية…”. وجاء في الفصل الثاني: “يشمل هذا القانون كل أشكال العنف المسلط على المرأة أساسه النوع الاجتماعي مهما كان مرتكبوه وأيّا كان مجاله…”.

نلاحظ في الفصل الأول والثاني تركيز مشّرع المشروع على فكرة أساسية وهي القضاء على العنف القائم/المؤسس على “النوع الاجتماعي”. ومصطلح “النوع الاجتماعي” ترجمة للمصطلح الغربي: “الجندر” (يقال: بالإنجليزية “gender” وبالفرنسية “genre”) وتميّز الدراسات الجندرية بين الجنس sex الدال على الاختلاف البيولوجي بين الجنسين والجندرgender  المعبّر عن التشكيل الثقافي والاجتماعي للفرد والمرتبط بدلالات الذكورة والأنوثة والذي يؤدي إلى تقاسم الأدوار وتحديد مهام كلّ من الرجل والمرأة في المجتمع وفق التصورات الاجتماعية، ومعنى ذلك أنّ الاختلاف الجنسي هو نتاج ثقافي واجتماعي وسياسي” (نقلا عن: الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية، لآمال قرامي، هوامش المقدمة، عدد5، ص28). وعرّف مصطلح “النوع الاجتماعي”: بأنه “عملية دراسة العلاقة المتداخلة بين المرأة والرجل في المجتمع. وتسمى هذه العلاقة “علاقة النوع الاجتماعي” (gender relationship)وتحددها وتحكمها عوامل مختلفة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وبيئية، عن طريق تأثيرها على قيمة العمل في الأدوار الإنجابية والإنتاجية والتنظيمية التي تقوم بها المرأة والرجل. وعادة ما يسود تلك العلاقة عدم الاتزان على حساب المرأة في توزيع القوة، وتكون النتيجة احتلال الرجل مكانة فوقية، بينما تأخذ المرأة وضعاً ثانوياً في المجتمع… وفي التعريف العام لمفهوم النوع، نسعى إلى تثبيت نقطتين مهمتين وهما:

 1. النوع ليس الجنس Gender is not sex.

2. النوع ليس المرأة Gender is not a woman .
وعندما نتكلم عن النوع، فلا نعني به الأنثى، ولكننا نعني به المرأة مقابل الرجل معاً، وبالتحديد العلاقة بينهما. النوع لا يولد به إنسان (يتكون اجتماعياً)، وبالتالي فهو قابل للتغيير، أما الجنس فيولد به الإنسان (بيولوجياً) وبالتالي فإنه غير قابل للتغيير” (نقلا عن: مسرد مفاهيم ومصطلحات النوع الاجتماعي، ص9-10).

إذن – وفق دراسات النوع الاجتماعي/الجندر– يجب الفصل بين مفهومين: 1) مفهوم الجنس (sex) الدال على الطبيعي/البيولوجي المتمثّل في الذكر والأنثى أو الرجل والمرأة بخصائصهما البيولوجية المختلفة، 2) مفهوم الجندر (gender) الدال على الهوية المكتسبة من العناصر الثقافية/الاجتماعية التي تسود في مجتمع ما والمتمثّلة في تحديد معاني ووظائف وأدوار الذكورة والأنوثة، وهو التي عبّرت عنه الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir) بقولها: “نحن لا نولد نساء، إنما نصبح كذلك” (On ne naît pas femme, on le devient). فدور المرأة في المجتمع لا يتشكّل كنتاج لخصوصيتها البيولوجية/الطبيعية، إنما يتشكّل وفق الظروف الاجتماعية والثقافة السائدة في المجتمع. “فعلى سبيل المثال، إذا كانت تربية الأطفال، وأعباء العمل المنزلي مرتبطة تقليدياً بالمرأة، فإن ذلك ليس له علاقة بتكوينها البيولوجي كامرأة. إذ أن هذه الأدوار يمكن أن يقوم بها الرجل أيضاً. وعليه، فإن أدوار النوع الاجتماعي تختلف عنأدوار الجنس البيولوجي، فالأولى من الممكن أن تكون متبادلة بين الجنسين، في حين أن الثانية تتسم بالثبات. إن أدوار النوع الاجتماعي هي تلك التي يحددها المجتمع والثقافة لكل من النساء والرجال على أساس قيم وضوابط وتصورات المجتمع لطبيعة كل من الرجل والمرأة، الذكر والأنثى، وقدراتهما واستعدادهما، وما يليق بكل منهما حسب توقعات المجتمع” (نقلا عن: مسرد مفاهيم ومصطلحات النوع الاجتماعي، ص10).

هذا باختصار مفهوم النوع الاجتماعي/الجندر الذي بني عليه مشروع قانون القضاء على العنف ضدّ المرأة. وسنبيّن فيما يلي فساده وبطلانه في نقطتين:

  1. التناقض في المفهوم:
    يتفق الدعاة إلى مفهوم النوع الاجتماعي/الجندر على نقطة أساسية، وهي أنّ هوية الإنسان (الذكورية والأنثوية) مركّبة من عناصر أيديولوجية/ثقافية/اجتماعية سائدة في المجتمع؛ “ذلك أنّ الثقافة تفرز نظاما اجتماعيا قائما على التمييز بين الأفراد” (نقلا عن: الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية، لآمال قرامي، ص935)، وعليه فإنّ “البحث في الجندر يمكنّنا من تعويض الماهوية البيولوجية بالبنائية الثقافية، بحيث يتبيّن لنا أنّ الاختلاف بين الرجل والمرأة مبنيّ ثقافيا وأيديولوجيا وليس نتيجة حتمية بيولوجية” (نقلا عن: بنيان الفحولة، لرجاء بن سلامة، هامش: ص13). وهنا نسأل: إذا كانت الدراسات الجندرية تقرّ بأنّ الأيديولوجيا والثقافة (والمفاهيم الحضارية والتصورات العقدية) هي التي ترسم معالم هوية الإنسان الذكورية أو الأنثوية، فهذا يعني أنّ المرأة أو الرجل نتاج ثقافته وأيديولوجيته، وبما أنّ الثقافات والأيديولوجيات متعدّدة ومختلفة ومتفاوتة ومتناقضة، وأقرّ الغرب نفسه بوجوب احترامها وتقديرها وقبولها – كما جاء في إعلان المبادئ حول التسامح -، فمن الطبيعي أن تكون هويّة المرأة المسلمة مختلفة عن هويّة المرأة الغربية (الأوروبية، الأمريكية، الروسية…)، فلماذا إذن يسعى الغرب ومن لفّ لفّه من مضبوعين بثقافته وتابعين لحضارته إلى فرض رؤية فلسفية معيّنة على كلّ الشعوب والأمم ومنها الأمة الإسلامية لتصبح المرأة المسلمة غربية في هويتها وشخصيتها وميولها ودورها المجتمعي؟ أليس من المفروض والمنطقي والطبيعي أن تختلف المرأة المسلمة عن نظيرتها الغربية بناء على اختلاف الثقافات والأيديولوجيات؟ وإذا كان الغرب من منطلق تبنيه للمفهوم الجندري المؤسس على ثقافته ومفاهيمه الحضارية يهيّأ الذكر لدور أنثوي ويهيّأ الأنثى لدور ذكوري، أليس من حقّنا نحن المسلمين من منطلق ثقافتنا وأيديولوجيتنا وعقيدتنا وديننا أن نبقي الذكورة للذكر والأنوثة للأنثى؟ أليس من حقّنا أن نختلف مع الغرب ثقافيا وحضاريا فنختلف معه تبعا لذلك في دور الرجل والمرأة في المجتمع؟
    إنّ اعتبار الدعاة إلى مفهوم النوع الاجتماعي/الجندر “أنّ الاختلاف بين الرجل والمرأة مبنيّ ثقافيا وأيديولوجيا وليس نتيجة حتمية بيولوجية”، يجعلنا بين حتميتين: حتمية ثقافية (يتبناها دعاة الجندر) وحتمية بيولوجية. ومن المعلوم “أن الحتمية البيولوجية هي أيديولوجيا اليمين الجديد، والحتمية الثقافية هي أيديولوجيا اليسار الجديد، ونستطيع أن نقول إن الحركة النسوية والأنثوية هي حركة يسارية…” (نقلا عن: التذكير والتأنيث بين العلم والدين والسياسة، لعبد الفتاح القلقيلي، مجلة أوراق فلسطينية، عدد3 لسنة 2013م). فأين الإسلام من كلّ هذا؟ أليس من حقّ الإسلام – كحضارة وثقافة متميّزة عن الفلسفة الغربية بيمينها ويسارها – أن يقدّم هو الآخر تصوّره لمفهوم الرجل والمرأة والعلاقة بينهما ودورهما في المجتمع؟ 
    إنّ المنطق السليم، المعافى من داء الحقد الأيديولوجي، يسلّم بصدق مقولتنا، ومثلما يفترض التنوع في الثقافات يفترض التنوع في الأدوار المنوطة بالمرأة والرجل في المجتمعات المتنوعة، ولكن هناك فئة في المجتمع تتصرّف معنا وفق مقولة فرعونية: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، وتنتهج معنا نهج التوتاليتارية لتتحكّم في أفكارنا ومشاعرنا، وتمارس الصراع الحضاري المعلن تارة والمتخفي تارة أخرى من أجل غاية واحدة وهي محو الهوية الإسلامية من الوجود؛ ولهذا لا نستغرب قول رجاء بن سلامة الكاشف عن هوية خصوم مفهوم الجندر: “هؤلاء الخصوم البدائيون هم بالأساس المدافعون عن الشريعة الإسلامية والمؤيّدون لأحكامها، والفاعلون السياسيون الذين يعلون من الانتماء والهوية على حساب التحرر الفردي، وعلى حساب الحقوق الإنسانية الأساسية” (بنيان الفحولة، ص10). فالمسألة في غاية الوضوح، وهي أنّ هناك فئة تعادي الثقافة الإسلامية، وتراها رجعية متخلفة، ولهذا تريد إزالتها ومحوها وفرض ثقافة أخرى على شعب مسلم, وقد صرّحت آمال قرامي بذلك قائلة: “لا يمكن لنمط العلاقات بين الجنسين أن يتغيّر ما لم تتبدّل البنية الثقافية: من التصور الرأسي [وهو الإسلامي في نظرها] إلى التصور الأفقي ومن علاقة التراتب[وهي الإسلامية في نظرها] إلى علاقة المساواة” (نقلا عن: الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية، ص936). وهكذا، حينما تقول رجاء بن سلامة داعية الجندرية: “ونجد حطّا صريحا من شأن الأمومة والأنثوي في الآيات التي تعلن أفضلية الرجل على المرأة” (بنيان الفحولة، ص30)، أو تقول: “فعدم المساواة في الإرث عنف بنيوي، وهو عنف أساسي ينفي مبدأ المساواة، ويشيع من حوله الإحساس العام بأن المرأة دون الرجل، أو بأنها تساوي نصف رجل بما انها ترث نصف ما يرثه” (ص106)، فإنها تكشف لنا عبر بعض الأمثلة نوعية البنية الثقافية الجديدة التي يراد فرضها علينا لتتّخذ كقاعدة لتقنين قانون القضاء على العنف ضدّ المرأة.
  2. التناقض مع الإسلام:
    البحث في موضوع الذكر والأنثى أو الرجل والمرأة والعلاقة بينهما يتناول من زاويتين: زاوية فلسفية وزاوية تشريعية.
     – الزاوية الفلسفية:
    ونعني بالزاوية الفلسفية، فلسفة النظر أو الفكرة الأساسية التي تقوم عليه النظرة إلى كل من الذكر والأنثى أو الرجل والمرأة؛ فللإسلام فلسفته وللغرب فلسفته. 
    فلسفة الغرب: 
    مرّ معنا فيما سبق بيان فلسفة الغرب [الحديثة]، وهي تقوم على المفهوم الجندري/النوع الاجتماعي أو الحتمية الثقافية كردّ فعل على الحتمية البيولوجية التي كانت سائدة في زمن ما، وملخّصها: أنّ التكوين الثقافي والاجتماعي هو الذي يجعل من الذكور رجالا والإناث نساء، ولكل منهما أدوار ووظائف محددة (ينظر: مسرد مفاهيم ومصطلحات النوع الاجتماعي، ص6). فالهوية الجندرية هي إحساس المرء بنفسه ووعيه على ذاته كحامل لصفات الذكورة أو الأنوثة المحدّدة وفق الثقافة السائدة في المجتمع. وعادة ما تتوافق الهوية الجندرية مع الجنس الطبيعي/البيولوجي فيميل الأشخاص إلى الجنس البيولوجي المغاير تماما  (Hetrosexual)، ولكن هناك حالات لا يحصل فيها التوافق، فتكون للشخص ميولات جنسانية مختلفة عن العلاقة التقليدية التي هي بين الذكر والأنثى، فيكون ثنائي الميول (Bisexual) أو مثلي الميول (Homosexual) أو غير ذلك. والهوية الجنسانية للشخص مرتبطة بحريته وإرادته ولا ضرر أو ضير فيها؛ وعليه يجب على المجتمع أن يغيّر ثقافته وعاداته وتقاليده فتحلّ المفاهيم الصحيحة – من وجهة نظرهم – لتعويض “نظام البديهيات المعيارية والمراتبيات الاجتماعية التي تحكم المجتمع باعتباره مجتمعا مقاما على ثنوية جنسية صارمة وعلى مركزية الذكورة والتغاير الجنسي” (بنيان الفحولة، لرجاء بن سلامة ص14)، وليوجد الوضع الملائم والمناخ الطبيعي لكل شخص ليشكّل هويته كما يشاء ويعيشها بدون ضغط أو عنف، فيخرج “من وضع الانقياد إلى الأوامر إلى وضع يختار فيه بمنتهى الحرية مظهره وسلوكه وصنيعه” (الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية، لآمال قرامي، ص467) وعلينا تقبّل كل شخص كما هو واحترام حقّه في التعريف بنفسه وذاته كما يحبّ هو ويرضاه ويلائم طبعه وهواه؛ لأنّ “تصدي مؤسسة الضبط لهذه الأصناف… يبرهن على اتصافها بصفة القهر. فهي تتمسّك بجنسانية قائمة على تصوّر آحادي ولا تقرّ بنظام جنسي ثنوي، كما أنّها لا تقرّ بالمزاوجة الجنسية وتصرّ على تجاهل وجود نماذج متعددة” (الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية، لآمال قرامي، ص467).

فلسفة الإسلام: 
قال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ}، وقال: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}، وقال: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ}. فالله عزّ وجلّ خلق الذكر والأنثى كجنسين مختلفين، وهذا الفرق الطبيعي/ البيولوجي بين الجنسين أي جنس الذكر والأنثى لا خلاف فيه بين أحد من الناس، مؤمنهم وكافرهم، أبيضهم وأسودهم، ذكورهم وإناثهم. ورغم إقرار الإسلام بهذا الفرق الطبيعي/البيولوجي إلّا أنّه – على النقيض من كل الفلسفات السابقة واللاحقة – لم يراعه في نظرته إلى الجنسين بل راعى النوع ككل أي نظر إلى الذكر والأنثى باعتبار الإنسانية لا غير. فالله عزّ وجلّ خلق الأنثى والذكر بنفس الخصائص والمواصفات الإنسانية بلا فرق؛ فالحاجات العضوية لديهما، والغرائز فيهما، واحدة بلا فرق، والعقل عندهما واحد بلا فرق؛ ولهذا كلّف الله الإنسان الذكر أو الأنثى كإنسان، فلم يخصّ الذكر مثلا بعقيدة وشريعة مختلفة عن الأنثى، إنما جاء التكليف لهما بوصف الإنسانية التي يشتركان فيها بلا اختلاف. 
وأما الميل الجنسي فهو غريزة في الإنسان، تدفعه تلقائيا للإشباع، ولكنه قبل إشباعها يحتاج إلى مفهومين: مفهوم يتعلّق بمحلّ الإشباع، ومفهوم يتعلّق بكيفية الإشباع. 
أمّا محلّ الإشباع، ونعني به الموضوع أو الذات الجنسية المشتهاة التي يمكن للإنسان أن يحقّق إشباعه منها أو فيها أو معها، فقد يكون أيّ شيء؛ فقد يكون رجلا، وقد يكون امرأة، وقد يكون حيوانا، وقد يكون دمية، وقد يكون حائطا، وقد يكون غير ذلك. وهذا يعني أنّ الغريزة في الذكر أو الأنثى يمكن أن تشبع بالميل المغاير تماما أو الثنائي أو المثلي – كما يقولون -، وبعبارة أخرى فإنّ الميل الجنسي في الذكر يمكن أن يشبعه من ذكر أو أنثى أو كليهما أو غيرهما، والميل الجنسي في الأنثى يمكن أن تشبعه من ذكر أو أنثى أو كليهما أو غيرهما، فهذه مسألة لا نقاش فيها، ولم يأت الغرب فيها بجديد بل وصف الواقع وما عليه بعض الناس. ولكن السؤال هو: من يحدد محلّ الإشباع؟ والجواب يختلف باختلاف الحضارات والثقافات. فالحضارة الغربية مثلا التي تقوم على فكرة فصل الدين عن الحياة بجعل التشريع والنظام بيد العقل البشري، جعلت للإنسان الحرّية في تحديد محل إشباعه، فله أن يختار الذكر وله أن يختار الأنثى وله أن يختار الدمية، ولكنّها قيّدت هذه الحرّية بقيود، فاستثنت ما رأته أو ما رآه العقل البشري غير صالح، كالحيوان والطفل. وأما الإسلام فلم يجعل تحديد محلّ الإشباع للإنسان، وإنما جعله بيد خالق الإنسان؛ فالله تعالى هو المحدّد لمحلّ الإشباع. وقد جعل الله تعالى الذكر محل إشباع الأنثى، والأنثى محلّ إشباع الذكر من أجل غاية وهي التناسل لبقاء النوع. فإن ابتغى الإنسان غير محلّ الإشباع الذي عيّنه له الله تعالى خلقا وأمرا، فإنّه يكون من العادين الذي انحرفوا عن الفطرة والشرع. 
وأمّا كيفية الإشباع، ونعني بها الطريقة التي يشبع بها الإنسان غريزته بعد تحديد المحل، فتختلف باختلاف الحضارات والثقافات. فالحضارة الغربية لا يعنيها الكيف، فيمكن للإنسان أن يشبع ميله كيف شاء بشرط الرضا أي لا يشترط الزواج ويمكن أن يحصل الإشباع بعقد أو دون عقد، لساعة أو سنة، فالمهم عندهم هو تحقّق الرضا والقبول بين الطرفين. 
وأمّا الإسلام، فقد اشترط الزواج لتحقيق الإشباع. فلا يتم إشباع الميل الجنسي عند الرجل أو المرأة إلا بعد عقد شرعي له أركانه وشروطه. فإن تمّ هذا الإشباع بدون تحقّق شروطه الشرعية، فإنه يعدّ محرّما يعاقب فاعله. 
والحاصل، فإنّ نظرة الإسلام إلى الذكر والأنثى مسلطة على انسانيتهما لا على جنسهما أو نوعهما الاجتماعي، ونظرة الإسلام إلى الصلة بين الرجل والمرأة مسلطة على الغرض الذي من أجله وجدت الغريزة في الإنسان، وهو بقاء النوع. وأما المتعة التي تنتج عن إشباع الغريزة فهي أمر طبيعي وحتمي، وهي نتيجة وليست غاية. ولهذا فإنّ الإسلام لا يكبت الميل الجنسي، ولا ينكر المتعة ويلغيها بل ينظمها في إطار صلة التعاون بين الرجل والمرأة من أجل بقاء النوع الإنساني، ويرفض حصر هذه الصلة في إطار اللذة والنشوة، ويجعلها نظرة تستهدف مصلحة الإنسان ككل، لا نظرة الذكورة والأنوثة؛ وهي نظرة لا تنكر على الإنسان استمتاعه باللذة الجنسية، ولكنها تجعله استمتاعا منظما، محقّقا غاية نبيلة هي بقاء النوع. ولهذا جاءت نصوص القرآن منصبة على الناحية الزوجية، وليس الناحية الجنسية، مشيرة بذلك إلى المقصد من صلة المرأة بالرجل. قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً}، وقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.

 – الزاوية التشريعية:
“القانون في معناه العام هو مجموعة قواعد السلوك العامة المجردة الملزمة التي تنظم الروابط الاجتماعية في المجتمع وتقترن بجزاء مادي حال وتقسر الدولة الناس على اتباعها ولو بالقوة عند الحاجة” (المدخل إلى علم القانون، للدكتور غالب علي الداودي، ص17). و”التشريع كمصدر رسمي للقانون يعني سن قواعد قانونية على صورة نصوص مكتوبة يلتزم الأشخاص بأحكامها، من قبل سلطة مختصة وفقا للدستور في الدولة” (السابق، ص102-103). وقد مارس بعض الناس سلطة التشريع فشرّعوا قوانين منها هذا القانون المسمى بـ”مشروع قانون أساسي يتعلّق بالقضاء على العنف ضد المرأة”. 
والملاحظ في عملية التشريع والتقنين التي تتم في بلادنا أنها تسير وفق منهجية محدّدة وهي المنهجية اللائكية التي تفصل الدين عن الحياة متجاهلة كل التجاهل إسلام الشعب وحرصه على الهوية الإسلامية وتأكيده على انتمائه إلى الحضارة الإسلامية، ومتجاهلة أيضا كل التجاهل ما ورد في الدستور من عبارات تشير إلى الإسلام. ومنها ما ورد في توطئة الدستور: “تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال”، “وتوثيقا لانتمائنا الثقافي والحضاري للأمّة العربية والإسلامية”، وما ورد في الفصل الأول: “تونس دولة حرّة … الإسلام دينها، والعربية لغتها”، وما ورد في الفصل 39: “تعمل [أي الدولة] على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية”. فأين كل هذا العبارات من هذا القانون، وهل رجع مشرّع هذا القانون إلى الإسلام ليستنبط أو لنقل ليستلهم منه شيئا يخصّ الرجل والمرأة أو العلاقة بينهما؟ 
إنّ مصدر هذا القانون الوضعي هو الحضارة الغربية بدليل اعتماده مفهوم النوع الاجتماعي/الجندر الذي هو من صميم الفلسفة الغربية الحديثة، واعتماده “تعريف العنف ضد المرأة كما جاء في المواثيق الدولية المعتمدة من قبل منظمة الأمم المتحدة” (كما جاء في النقطة الأولى من شرح أسباب مشروع القانون)، وتنصيصه على جملة من الأحكام المناقضة للشرع الإسلامي. فهو إذن قانون وضعي بشري مستلهم من حضارة الغرب وثقافته ومناقض للشريعة الإسلامية، ويراد تطبيقه على شعب مسلم ينتمي إلى ثقافة وحضارة وهوية إسلامية باعتراف الدستور نفسه؛ ولهذا، فإنّ هذا القانون باطل.
التشريع الإسلامي المتعلّق بالرجل والمرأة:
إذا نظرنا إلى الحقوق والواجبات التي شرّعها الإسلام، نجد أنّها واحدة حين تتعلّق بالطبيعة الإنسانية الواحدة عند الرجل والمرأة، ونجد أنّها مختلفة حين تتعلّق بطبيعة خاصة عند الرجل أو المرأة. فنجد الإسلام لا يفرّق في أصل التكليف بين الرجل والمرأة ويدعو الإنسان ككل إلى الإيمان بغضّ النظر عن الذكورة والأنوثة. ونجد أنّ التكاليف الشرعية المتعلّقة بالعبادات والمعاملات واحدة للرجال والنساء. ونجد أنّ الأمر بالاتصاف بالأخلاق واحد للرجال والنساء على السواء. ونجد أنّ حقّ التعلّم واحد لا فرق فيه بين الرجال والنساء. وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى قد شرّع الأحكام المتعلّقة بالإنسان من حيث هو إنسان واحدة للرجال والنساء بلا فرق. وأمّا حين يتعلّق الأمر بأمور اختصت بها الأنثى أو بأمور اختص بها الذكر، مما اقتضته طبيعتهما المختلفة، فإننا نجد الأحكام مختلفة لا توصف بأفضلية مطلقة أو بغير أفضلية مطلقة. فنجد أنّ المرأة يسقط عنها واجب الصلاة لفترة مع عدم وجوب القضاء ويجب على الرجل أن يصلي ويقضي مطلقا. ونجد أنّ المرأة لا يجب عليها الكسب ويجب على الرجل. ونجد أنّ القتال لا يجب على المرأة ويجب على الرجل. ونجد أنّ الحضانة حقّ للمرأة دون الرجل. ونجد أنّ الصداق حقّ للمرأة على الرجل مع أنّ الاستمتاع لهما معا وليس للرجل وحده دون المرأة. 
فالمسألة إذن ليست مسألة مساواة أو عدم مساواة، إنما هي جملة من الأحكام الشرعية تتعلّق بالمرأة والرجل، شرّعها ربّ العالمين وأمرنا بقبولها فقال عزّ وجلّ: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.
قال الطبري في تفسيره: “وذكر أن ذلك نزل في نساءٍ تمنين منازل الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق”. وقال الشيخ الطاهر ابن عاشور في تفسيره: ” وقد رويت آثار: بعضها في أنّ هذه الآية نزلت في تمنّي النساء الجهاد؛ وبعضها في أنّها نزلت في قول امرأة «إنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل كذلك»؛ وبعضها في أنّ رجالاً قالوا : إنّ ثواب أعمالنا على الضعف من ثواب النساء؛ وبعضها في أنّ النساء سألن أجر الشهادة في سبيل الله وقلن لو كُتب علينا القتال لقاتلنا. وكلّ ذلك جزئيات وأمثلة ممّا شمله عموم {ما فضل الله به بعضكم على بعض}”. فالأحكام الشرعية متنوعة مختلفة، خصّ الله عز وجل الرجال ببعضها، وخصّ النساء ببعضها، وميّز بينهما في قسم منها، ثم أمر الله أن يرضى كل من الرجل والمرأة بما شرّعه له وإن رأى فيها بعض الاختلاف والتميز. 
إنّ التشريع أو التقنين في كل المبادئ مبني على تقديرات معيّنة قد لا تنال استحسان الجميع، ولا يوجد قانون في الدنيا يجمع عليه كل الناس، ولو بحثنا عقلا في النصوص القانونية في أرقى التشريعات البشرية لوجدنا فيها نقائص كثيرة، ولوجدنا أنها لا ترضي كل الناس. ولهذا، فإن الله عزّ وجلّ العليم الخبير بطبائع البشر ونفوسهم وعقولهم، يذكّر المؤمنين بإيمانهم حين التشريع تنبيها لهم على عدم اعمال العقل فيما ارتضاه لهم والقبول والتسليم بما شرّعهم لهم. ولو تدبّرنا الآية المذكورة آنفا لوجدنا أنّ الله عز وجلّ يذكّر الرجل والمرأة بأصل يهوّن عليهم ما قد يظهر لهم من اختلاف في التكاليف والتشريعات تختلف الأنظار في تقويمه سلبا وإيجابا؛ إذ يقول سبحانه: {مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، أي أنّ التفضيل الذي قد يعجب بعضكم ولا يعجب بعضكم الآخر مصدره هو الله، ثم ختم الله القول بالتذكير بأصل آخر وهو: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}. ومن هنا، فنحن كمسلمين نؤمن بالله ربا ومشرّعا وحاكما نسلّم بتشريعه ونقبل بنظامه وإن خالف هوانا وتقديراتنا البشرية القاصرة. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}.

حول مفهوم العنف:

يهدف هذا القانون إلى القضاء على العنف ضد المرأة، والمقصود بذلك – كما جاء في الفصل 3 – : “كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس والذي يتسبب بإيذاء أو ألم جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة ويشمل أيضا التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة”. وقد “تولى مشروع القانون اعتماده تعريف العنف ضد المرأة كما جاء في المواثيق الدولية المعتمدة من قبل منظمة الأمم المتحدة ليشمل كل أشكال العنف التي يمكن أن تتعرض لها المرأة في الفضاءات الخاصة والعامة ” (كما جاء في النقطة الأولى من شرح أسباب مشروع القانون).

“بعد أن أصبح مفهوم العنف ضد المرأة من مسائل حقوق الإنسان، قررت لجنة حقوق الإنسان عام 1994 مقرراً خاصاً بشأن العنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه، ثم رُبط القضاء على العنف بالالتزام بتطبيق السيداو! وأدرج في جل القضايا التي تعنى بها الأمم المتحدة! وجاء في التقرير الصادر عن المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة سنة 1994: «ينبغي لجميع البلدان أن تبذل مزيداً من الجهود لإصدار وتنفيذ وإنفاذ القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي تكون طرفاً فيها، مثل: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تحمي المرأة من ضروب التمييز الاقتصادي والمضايقات الجنسية، والتنفيذ الكامل للإعلان المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة». وفي عام 1995 انعقد «المؤتمر العالمي الرابع الخاص بالمرأة» في بكين، وتضمن منهاج العمل الصادر عنه دعوة للدول «بإدانة العنف ضد المرأة، والامتناع عن التذرع بأي عرف، أو تقليد، أو اعتبار ديني؛ تجنباً للوفاء بالتزامها للقضاء عليه»… وفي عام 2000 أكدت الوثيقة الصادرة عن الدورة الاستثنائية لمنهاج عمل بكين التي كانت بعنوان: «المرأة عام 2000: المساواة بين الجنسين، والتنمية، والسلام في القرن الحادي والعشرين»؛ على الأهداف الاستراتيجية المتعلقة بالعنف ضد المرأة، ودعت «إلى إضفاء الجنائية على العنف ضد المرأة بحيث يقع مرتكبه تحت طائلة العقاب بالقانون». ودعت الوثيقة إلى اتخاذ التدابير لمعالجة العنف ضد المرأة… وفي 15 مارس 2013 طرحت الأمم المتحدة إعلان إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات، والذي وجد معارضة شديدة في إجازته حتى سحب منه اعتبار أن القيود على الحرية الجنسية وحرية ممارسة السحاق شكل من أشكال العنف ضد المرأة، لكنه أكد وجوب مكافحة كل أشكال التمييز بين الجنسين باعتبارها شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة، دون التذرع بالأديان والعادات! وقد وصفته الأمم المتحدة بأنه إعلان تاريخي لوقف العنف ضد النساء…” (نقلا عن: مفهوم العنف ضد المرأة وجذوره التاريخية، مها بنت المانع، مجلة البيان، العدد 310، إبريل 2013م).

من الواضح أنه وفق التطور الذي حصل في تناول قضية المرأة والمسائل المتعلقة بها، ووفق النصوص التي تبنتها الأمم المتحدة، أنّ القانون الموجه للقضاء على العنف ضد المرأة يهدف إلى محاربة الدين ومحاربة الأحكام الشرعية التي حددت وظيفة المرأة في المجتمع ونظمت علاقتها بالرجل. ولهذا فقد حرصت وثائق الأمم المتحدة وقراراتها على فصل الدين عن قضية المرأة، وجعلها من مشمولات حقوق الإنسان التي يقولون عنها إنها كونية. ومن الواضح أيضا، أنّ مشرع القانون في تونس يسير على خطى الأمم المتحدة، ويتبنى مفاهيمها وقيمها وقراراتها؛ لهذا تجاهل مشروع القانون الأعراف والتقاليد التونسية، وتجاهل الشرع الإسلامي ولم يعتبره أو يذكره أو يشير إليه كمرجع في مسألة من المسائل. 


العنف من وجهة نظر إسلامية:

العنف بمعنى الشدّة والقسوة الفعلية أو القولية، من المفاهيم النسبية التي تختلف باختلاف الحضارات والثقافات، وتخضع لضابط هو القانون أي منه المشروع ومنه غير المشروع حسب القانون المتبنى في مجتمع ما. ولهذا يجب ان يبحث العنف ضمن سياقه الحضاري والثقافي، وبالنسبة لنا نحن معشر المسلمين، فالعنف المشروع ما شرّعه الشرع والممنوع ما منعه الشرع. 
وقد جاءت نصوص كثيرة تحثّ على الرفق واللين، وتنهى عن الشدة والقسوة والغلظة والعنف. كما في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}، وقوله تعالى:{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيمًا}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”، وقال: “سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ”، وقال: “لا يُشِرْ أحَدُكُمْ إلى أخيهِ بالسِّلاحِ ، فإنَّهُ لا يَدْري لعلَّ الشَّيْطانَ يَنْزِعُ في يَدِهِ ، فَيَقعَ في حُفْرَةٍ مِن النّار”، وقال: “مَنْ أشارَ إلى أخيهِ بحديدَةٍ ، فإنَّ الملائِكةَ تَلْعَنُهُ حتّى يَنْزِعَ ، وَإنْ كانَ أخاهُ لأبيهِ وأمِّهِ”، وقال “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ”، وقال: ” وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ”. فلا يوجد تشريع قاوم العنف مثل التشريع الإسلامي، ولهذا فنحن لا نحتاج إلى قوانين الغرب المستمدة من ثقافته وحضارته بل نحتاج إلى التوعية بثقافتنا وديننا وتطبيقها وتنفيذها فهي الوحيدة الكفيلة بمعالجة مشاكلنا كلها ومنها ما يوجد من عنف ضد المرأة.

وقد وردت بعض النصوص الأخرى التي تبيح بعض أشكال الشدة والقسوة، قد روى أبو داود وأحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ”. فهذا الحديث – بغض النظر عن الاختلاف في صحته – يشرّع للتأديب لا للتعذيب، والمقصود بالضرب هنا شرحه الفقهاء بتفصيل ولا نحتاج هنا إلى بيانه، ولكننا نقول إننا في غنى عن تشريع الغرب وعن توجيهاته في تربية الابناء؛ فآخر من يتكلم في هذه المسألة هو الغرب الفاشل في تربية الأبناء، ومن عاش بينهم يقف على سوء العلاقة بين المعلم والتلميذ وسوء العلاقة بين الأبناء والآباء. ثم علينا أن نفهم الحديث في سياقه، فمن أمر بالضرب هو أيضا من أمر بالرحمة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التَّميمي جالسًا، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال: من لا يَرحم لا يُرحم”، وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: “جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة؟”. 
وأما قوله سبحانه وتعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}، فلا نخجل منه؛ لأنّ الذي شرّعه ربّ العالمين سبحانه وتعالى، ولكننا نقول: ليس المقصود بالضرب هنا ما يفهمه بعض الناس والجهلة ولا ما يقوله المستشرقون والكفار وأذنابهم.  ومن قرأ الآية فعليه أن يفهمها في سياق مع النصوص الأخرى التي منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم”، وفي رواية: “يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها في آخر يومه”. وقوله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم”.


خاتمة:
لا نريد نقض مشروع القضاء على العنف ضد المرأة بتفصيل، واكتفينا ببيان بعض النقاط الأساسية لنقرر قاعدة معلومة وهي: ما بني على باطل فهو باطل. إن هذا المشروع المستلهم من الغرب، والقائم على حضارة الغرب وثقافته، والذي ينص في أصله المأخوذ عن الأمم المتحدة بإبعاد الدين وتجاوز الاعراف والتقاليد، والذي يرمي إلى تقنين الشذوذ والتسامح مع المثلية الجنسية، والذي يهدف أيضا إلى إفساد علاقة المرأة بزوجها، وعلاقة البنت بأهلها بتعلة الحرية والحقوق الإنسانية، باطل يجب رده ورفضه. وأما العنف ضد المرأة والطفل الذي هو نتيجة لجاهلية وجهالة انتشرت في المجتمع بسبب سياسة تجفيف منابع الدين ومحاربة الإسلام في أصوله وفروعه ومظاهره، ففي شريعتنا الإسلامية من الأحكام الربانية ما يضمن القضاء عليه ومقاومته. قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.