الديمقراطية لا يمكن أن تستمرّ ديمقراطية

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

لماذا يتشبّث الساسة والمثقفون في بلادنا بالحداثة الغربية رغم أن الجمع الغفير من مثقفي الغرب وعلماء الاجتماع والفلاسفة قد تخلى عنها وتجاوزها إلى ما بعد الحداثة؟ ولماذا يعضّ الساسة والمثقفون في بلادنا على الديمقراطية الغربية بنواجذهم رغم أنّ كثيرا من علماء السياسة والفلاسفة في الغرب قد أقرّ بفشلها واعترف بتغيّرها وتحوّلها وأصبح يتحدث عن مجتمعات ما بعد الديمقراطية؟ ولماذا هذا الإصرار على الديمقراطية باعتبارها الحقيقة الكونية المطلقة رغم أنّ مفكري الغرب أنفسهم يعلنون نهايتها وينادون بوجوب تحديثها؟

هذا الإصرار من الساسة والإعلام والطبقة المثقفة الفرنكوفونية يدلّ على العجز والفشل والخواء؛ فهم لا يملكون البديل، ولا يقدرون على التفكير في البديل، لأنّ التابع يتلقف ما يلقيه عليه سيده دون إعمال ذهن وتفكير، فيأخذ ما أعطي كما هو ويستميت في الدفاع عنه، ولا ينتبه إلى أن سيده قد تركه وتخلى عنه، لأنه لم يتلق بعد الأمر بتركه. ولهذا فلا زال في بلادنا من يدعو إلى الديمقراطية ويروّج لها رغم أن الغرب قد تخلى عنها ورمى بها وراء ظهره وداس على قيمها في أفغانستان والعراق وسوريا بل في بلاده هو حيث شغل شعبه بكذبة كبرى اسمها الأمن ليغيّر من ديمقراطيته ويحوّلها إلى “استبدادية ناعمة” تحدّ من حرّية الأفراد باسم الأمن للجميع. فالديمقراطية ماتت وانتهت، بل لم توجد ولم تكن ولن تكون، وبتعبير روسو: “بالمعنى الحقيقي، لم تقم ديمقراطية بعد، ولن تقوم”، أو على الأقلّ لنقل كما قال أورس مارتي، أستاذ فلسفة العلوم السياسية في جامعة زيورخ، إنها “وعد لم ينجز”.          

والحقيقة، أنّ الديمقراطية بقيمها المثالية التي نظّر لها مفكرو الغرب لا يمكن أن تستمرّ ديمقراطية، ولا بدّ أن تتحوّل إلى ديكتاتورية؛ لأنها نظرية ضعيفة البنيان الفكري، لا تقدر على خوض الصراعات، ولا تصمد في وجه التحديات. يقول بول ترينور: “يعتبر علم السياسة الغربي أن مضاد الديمقراطية هي: الديكتاتورية والسلطوية والشمولية والمثال التاريخي للشمولية هو النظام النازي, إن نظرية الشمولية هي نتاج الحرب الباردة وقد كان أول استعمالها في الولايات المتحدة في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي إبان هيستريا المناهضة للشيوعية. وكانت الفكرة الأساسية فيها تشبيه حكم ستالين بحكم هتلر مع أنه في عام 1945 كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حليفتين ضد هتلر. وإذا نظرنا إلى تعريف أحد المفكرين الغربيين هو كارل فريدريك للشمولية بأنها “ايدلوجية رسمية تتكون من عقيدة تغطي كل الجوانب المهمة من حياة الانسان وحيث يتوقع من كل شخص في ذلك المجتمع أن يعتنقها ولو بشكل سلبي” لوجدنا أن هذا التعريف ينطبق أيضا على المجتمعات الديمقراطية حيث يتوقع أن يكون جميع المواطنين ديمقراطيين… في كل الديمقراطيات, يعزل خصوم الديمقراطية من الحياة المدنية ويحظر عليهم ممارسة حقوقهم السياسية مثل تشكيل الأحزاب واصدار الصحف. بمعنى أن النظام الديمقراطي يخنق خصومه. أليس هذا ما تفعله النظم الديكتاتورية؟” (هل فشلت الديمقراطية؟ نقلا عن موقع النهى).

ولتغطية هذا الفشل والعجز الفكري، ظهر شعار “لا ديمقراطية مع غير الديمقراطيين”، كتبرير لقمع المخالفين للفكر الغربي، وكغطاء لاستئصال من يقف في وجه هذا النظام الفاسد. وإننا نرى اليوم هذا الشعار يرفع في تونس لقمع حزب التحرير وكلّ من يقف في وجه النظام الفاسد بحجة حماية الديمقراطية؟

ولكن، إذا كانت الديمقراطية تعني حرّية التعبير، فهل يمكن الحديث عن ديمقراطية تقمع فيها حرية الآخر – وفق المفهوم الديمقراطي نفسه – بحجة حمايتها؟ وإذا كانت الديمقراطية تعني التعددية السياسية والفكرية، فهل يمكن الحديث عن ديمقراطية تقمع الآخرين وتطالب بمنعهم وتكميم أفواههم بحجة عدم احترام الديمقراطية؟ أفلا يدلّ هذا على عدم الديمقراطية وفشلها في التطبيق والممارسة؟

03/07/1438هـ