السياسة والدعوة (2)

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

العمل بالسياسة فرض

السياسة –كما سبق- هي رعاية شؤون الناس، وهي الاهتمام بأمرهم بدفع الأذى عنهم وإرشادهم إلى ما يصلحهم. وهذا يعني أن من السياسة معرفة ما عليه الحكام من سياسة الرعية من أجل محاسبتهم على أعمالهم، ويعني أيضا معرفة ما تكيده الدول الكافرة من مكائد للمسلمين لكشفها، والعمل على دفع أذاها.

والعمل بالسياسة فرض. ومن الدليل عليه أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ إنّ السياسة هي الأمر والنهي من طرف الحاكم والمحكوم. قال تعالى: {وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} (آل عمران). ومن الأدلة أيضا: أخرج مسلم عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدّينُ النّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِم”. وأخرج الحاكم في المستدرك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “سيدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”. وأخرج أبو داود عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أمِيرٍ جَائِرٍ”. وأخرج مسلم عن أُمّ سَلَمَةَ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: “سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لاَ. مَا صَلّوْا”. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال”. وأخرج أبو داود عن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب”.

العلاقة بين السياسة والدعوة

قلنا إن الدعوة إلى الإسلام هي الحثّ على قبول الإسلام، أو هي طلب قبول مجموع الأفكار والأحكام الشرعية، وهذا العمل أي الطلب من الناس الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة هو في حدّ ذاته عمل سياسي؛ لأن السياسة هي رعاية الشؤون، وعرض الإسلام ليعمل به الناس ويوضع موضع التنفيذ في الدولة والمجتمع، من رعاية الشؤون. ثم إنّ حثّ الناس على قبول الإسلام، هو أيضا عمل سياسي؛ لأنّه من باب القيام على أمر الناس بما يصلحهم، وهذا سياسة. لذلك لا يتصور أن تحمل الدعوة الإسلامية بغير الطريق السياسي، ولا يتصور أن تكون هناك دعوة منفصلة عن السياسة.

{لقد كان لكم في رسولِ اللّه أسوة حسنة}

إنّ الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنّه جمع بين الدعوة والسياسة، وأنّه لم يحصر عمله في جانب واحد وأهمل الآخر، فقد كان صلى الله عليه وسلم سياسيا داعية، وداعية سياسيا، بل حمل الدعوة بالطريق السياسي وسعى إلى تغيير المجتمع الجاهلي وفق منهجية سياسية ليست بوعظية ولا عسكرية ولا تعليمية مجردة. فهاجم عقائد الكفر:{أَفَرَأَيْتُم اللاَّتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (20) أَلَكُم الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُم وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَد جَاءَهُم مِن رَبِّهِم الْهُدَى (23)} (النجم). وهاجم عادات الجاهلية التي منها وأد الإناث: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)} (التكوير). وهاجم السادة والقادة ورؤوس الكفر: فمنهم من ذكره بالاسم: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَدٍ (5)}، ومنهم من ذكره بالصفة: { وَلا تُطِع كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)} (القلم).

معنى لا إله إلا الله  

عن ابن عباس قال: “مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وعند أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه وشكوه إلى أبي طالب فقال يا بن أخي ما تريد من قومك؟ قال: إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة. قال: لا إله إلا الله. فقالوا: إلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق…” (رواه الترمذي في السنن، والنسائي في السنن، وأحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في الكبرى).

 قد يعجب أحدنا فيقول: لماذا رفض العرب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلمة واحدة؟ لماذا ناصبوه العداء مع أنه لم يقل لهم إلا كلمة واحدة هي “لا إله إلا الله”؟

 والجواب عن هذا السؤال يكمن في سرّ هذه الكلمة؛ فهي تحمل سرّا بل تحمل أسرارا جعلت العرب من شدّة وعيهم عليها ومن عمق إدراكهم لها يحاربونها ويعادونها، وجعلت من آمن بها منهم يبذل روحه فداء لها ويضحي بالغالي والنفيس من أجلها. نعم، فالعرب الأقحاح أدركوا معنى الكلمة ومفهومها بتلقائية وسليقة، لذلك فقد كذّب بها وأنكرها كلّ عتل جواظ مستكبر، وردّها كلّ طاغية وصاحب مصلحة وسلطة؛ لأنهم فهموا أنّ إثباتها يعني نفي ما هم عليه، فكانت معركتهم معها معركة وجود. فهي جماع الخير فتنفي كلّ شرّ، وهي العدل فتزيل كلّ ظلم، وهي الحقّ فتسحق كلّ باطل، وهي النور فتضيء كلّ ظلمة، وهي الهدى فترشد كلّ ضال. وسأرشدك في هذا المقام إلى دلالتين من دلالات هذه الكلمة:

الأولى، يدلك عليها قوله صلى الله عليه وسلم: ” تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية”، أي تخضع لهم بها العرب والعجم. وهذا يعني أنّ هذه الكلمة تحمل مشروعا سياسيا عالميا، إذ لا تخضع العرب، ولا يخضع العالم بأكمله، إلا لدولة قوية تقام على هذه الكلمة. وهذا يعني أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حمل كلمة “لا إله إلا الله” حملا سياسيا، إذ دعا إليها باعتبارها قوام المجتمع والدولة والحكم، وباعتبارها تتضمّن بديلا حضاريا كاملا شاملا.

الثانية، يدلّك عليها التركيب اللغوي لكلمة “لا إله”. ف “لا”: هي النافية للجنس، وتفيد نفي الخبر عن جميع أفراد الجنس الواقع بعدها وتسمى “لا” التبرئة، لتبرئة المتكلم وتنزيهه الجنس عن الخبر. وقد حذف خبر “لا” هنا، وحذف الخبر في هذا الباب إذا كان لا يجهل يكثر عند الحجازيين ويلتزم عند التميميين. لذلك فالأصل إذا قلت “لا إله” قدّرت الخبر في نفسك لأنه محذوف. قال بدر الدين الزركشي (في معنى لا إله إلا الله): “قول لا إله إلا الله قدر فيه الأكثرون خبر لا محذوفا، فقدر بعضهم الوجود وبعضهم لنا وبعضهم بحق… ولتكون الكلمة جامعة لثبوت ما يستحيل نفيه ونفي ما يستحيل ثبوته”.

والقصد من هذا أن العرب بسليقتهم قد أدركوا دلالات “لا إله إلا الله”، وفهموا أن المراد بها: “لا إله معبود بحقّ إلا الله”، و”لا إله مشرّع إلا الله”، و”لا إله حاكم إلا الله”. وبذا يعلم أن “لا إله إلا الله”، تشير إلى مشروع حضاري ثقافي، وتشير إلى معنى سياسي مفاده التغيير الجذري في المجتمع الذي يشمل شتى مجالات الحياة، وحاصله قيام المجتمع بعلاقاته، وقيام الدولة بأنظمتها، على عقيدة “لا إله إلا الله”.

الحقيقة

 إنّ الذين يدعون اليوم إلى فصل الدعوة عن السياسة، ويتبجّحون بأنهم ساسة وليسوا دعاة، يعنون بدعوتهم هذه فصل السياسة عن مرجعيتها الشرعية. نعم، فهؤلاء يريدون منا أن نتخذهم أحبار السياسة ورهبانها، يحللون لنا ويحرّمون، كما يشتهون، دون قيد أو ضابط شرعي. لذلك فهم يعتبرون: الترحم على بورقيبة الملحد سياسة، وقبول وثيقة علمانية يراد بها إفساد المجتمع سياسة، والتنازل عن تحكيم الشرع سياسة، والقول بأن تونس العلمانية دولة إسلامية سياسة، والسماح للماركسيين بحكم المسلمين سياسة، وموالاة الكفار ومعاداة المسلمين سياسة. فأي سياسة هذه التي يهجر فيها الحكم الشرعي ويعمل فيها بهوى الأشخاص ورغباتهم المتقلبة.

نصيحة: {كونوا ربانيين}

قال الله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (آل عمران 79).

قال الطبري في تفسيره: “وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني وأن الرباني المنسوب إلى الربان الذي يرب الناس وهو الذي يصلح أمورهم ويربها ويقوم بها… فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وكان الربان ما ذكرنا والرباني هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يرب أمور الناس بتعليمه إياهم الخير ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم، كانوا جميعا يستحقون أن يكونوا ممن دخل في قوله عزّ وجل: {ولكن كونوا ربانيين} فالربانيون إذا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار لأن الأحبار هم العلماء والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم”.

17 جمادى الأولى 1428هـ