“الإسلام الحداثي”: المدرسة التونسية نموذجا (2) التأويل المقاصدي أو إعادة صياغة الإسلام

 

ياسين بن علي

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

تناولنا في المقال السابق ما يسمى بـالإسلام الحداثي، فسلّطنا الضوء على واقعه وأفكاره ورجاله بإجمال، وسنتناول في هذا الجزء الثاني من المقال فكرة من الأفكار المتبناة عند أصحاب هذه المدرسة التونسية الحداثية لتكون مثالا عمليا يدرك من خلاله القارئ المعنى العملي التطبيقي لمفهوم تحديث الإسلام والمقصد منه. وهذه الفكرة هي: التأويل المقاصدي أو القراءة المقاصدية للنصوص.

معنى التأويل المقاصدي:

يقول محمد الشرفي (في كتابه: الإسلام والحرية، ص124): “إن التأويل المقاصدي هو التأويل الأنسب من الوجهة الدينية، وينبغي ألا يطول البحث في تحليل الكلمات، بل لا بد من البحث عن روح القرآن وراء المعاني الحرفية، وتناول كل مسألة حسب وضعها ضمن المقاصد الإلهية الشاملة. ويقتضي هذا البحث إدماج عامل الزمان، فيمكن أن تكون القاعدة صالحة لوقت معيّن، لكنها إذا أصبحت بمرور الزمن وتغيّر الأوضاع غير ملائمة ينبغي أن نتمكن من تغييرها“. فالمسألة إذا ليست في اعتبار القرآن أصلا من أصول التشريع، بل في كيفيّة اعتماده والتعامل معه وتأويله، إمّا تأويلا ينسجم وروحه ومنطقه الداخلي، وإما تأويلا يتشبّث بحرفية عدد محدود من آياته” (كما قال عبد المجيد الشرفي في كتابه: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص159). فعمدة التفسير القرآني المأمول أنّه يطلّق بصفة نهائية الحرفية” (كما قال عبد المجيد الشرفي أيضا في كتاب: مستقبل الإسلام في الغرب والشرق، ص32). وبعبارة أخرى، كما قال عياض بن عاشور -“أن نلغي الحرف، لأن الحرف يقتل، فبذلك نحي الروح، فوجب أن ينصبّ الاهتمام على أخلاقية الحرف/النصالتي نستلهم منها قيم حقوق الإنسان الحداثية عوض أن نطيل بكثير من المواظبة في الوسائل الحلال والحرام: كيف نشرب ونأكل، كيف نجامع، ونعطس، ونتثاءب، ونتكرّع، ونخرأ، وننام ونستيقظ، ونلبس، ونغتسل، ونحلق، ونتغطى، ونكتب، ونمشي، ونرث” (ينظر كلام عياض بن عاشور ضمن: قضية الحقيقة لمحمد الطالبي، ص46-47).

النتيجة العملية للتأويل المقاصدي:

طرح أصحاب النظرة التأويلية المقاصدية رؤية حديثة للإسلام تركّز حسب زعمهم على المضمون والجوهر والروح لا على الشكليات والمظاهر. ففي رأيهم، أنّ محمدا عليه الصلاة والسلام ختم النبوة ختما خارجيا أي أنّ هذا الختم يضع حدّا نهائيا لضرورة اعتماد الإنسان على مصدر في المعرفة ومعيار في السلوك مستمدّين من غير مؤهلاته الذاتية” (كما يقول عبد الشرفي في كتابه: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص91). وبعبارة أخرى، فالإنسان لا يحتاج إلى الوحي بعد ختم النبوة، وترك إلى عقله ليتحمّل المسؤولية كاملة في كيفية العبادة وفي تنظيم شؤون حياته كلّها“. وبناء عليه (ينظر: كتابات عبد المجيد الشرفي): فإنّ الطقوس” (العبادات) “من باب الثوابت الزائفة والمسلّمات المغلوطة، فليست في حقيقتها ملزمة وفق ما قرّره الفقه الكلاسيكي الموروث، ولا بدّ من نقدها ومراجعتها ووضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي والعودة إلى روحها وتقديم الغاية منها على الأداء الشكلي“. فلا يلزم المسلم بصلاة معينة في أوقات معيّنة بكيفية معيّنة، وله أن يصلي كيف شاء. “والأمر نفسه ينطبق على الزكاة؛ إذ لم يحدّد القرآن مقاديرها ولا قصد تعيين كل ما ينبغي أن تؤدّى عنه، بينما يبقى المبدأ صالحا على الإطلاق ويدلّ على وجوب التضامن بين الأغنياء والفقراء“. ولا يجب صوم رمضان على المسلم؛ لأن القرآن ترك الباب مفتوحا لعدم صومه والتعويض عن هذا الصوم بإطعام مسكين أو مساكين“. وأمّا الحجّ فلا يمكن إنكار ما بقيت تحتوي عليه مناسك الحج من رواسب الذهنية الميثية الضاربة جذورها في القدم، ونقصد بالخصوص ما فيها من رجم للشياطين ومن هدي، وعليه فلا غضاضة أن ينكرها المسلم المعاصر إذا خالفت قناعته. وأمّا العقوبات (الحدود) فقد تطورت المجتمعات وبرزت فيها قيم أكثر تناغما مع التطوّر، تعتبر العقوبات البدنية وكلّ أشكال التعذيب منافية للكرامة البشرية“. وأمّا المعاملات المالية كـالاقتراض من البنك بفائدة فهو بداهة لا يدخل تحت طائلة التحريم“. وأمّا الجنسانية فهي مسألة حسّاسة إلا أنّ هذا لا يمنع من أخذ التحوّلات التي طرأت على العلاقات بين الرجال والنساء بالاعتبار، فالتصرف في الجسد يدخل ضمن باب الحرّية الشخصية للذكر والأنثى.

ونلخّص الأمر في سؤال: هل بقي شيء من الإسلام الذي يعرفه المسلمون؟ والجواب: لا شيء. إذا، التحديث المبني على فكرة التأويل المقاصدي يشمل الأصول والفروع، أي يشمل العقائد والعبادات والمعاملات والعلاقات والعقوبات والأخلاق، وهو في حقيقته إعادة صياغة للإسلام من جديد بل يمكن أن نقول: إنّه إسلام آخر“.

أثر التأويل المقاصدي في التّشريع التّونسي:

تسرّبت فكرة التأويل المقاصدي هذه كمنهج ونتيجة إلى التّشريع التونسي، وخرجت من الحيز النظري إلى الحيز العملي بتفصيلاتها وتفريعاتها من خلال التقرير (الصادر بتاريخ 01/06/2018م) الذي أعدّته لجنة الحريات الفردية والمساواة (التي أحدثت بمقتضى الأمر الرئاسي عدد111 لسنة 2017م المؤرخ في 13 أوت 2017م وكلّفت ببلورة وصياغة الإصلاحات التي يحتاج إليها النظام القانوني التونسي في مجالي الحريات الفردية والمساواة“)؛ فقد أكثرت هذه اللّجنة في تقريرها من اعتماد عبارة المقاصد، ثمّ سألت: “هل نقف عند ما جاء به الإسلام، أم نتطلع إلى ما جاء من أجله؟“. وأجابت قائلة: “لا يفهم الإسلام خارج السياق التاريخي، وحتى يكون مواكبا باستمرار للمتغيرات المستمرة، كانت مهمة الاجتهاد التي تتمثل في تكييف الأحكام وفق ما تقتضيه مصالح الناس، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تنزيل مقاصد الإسلام على الواقع المعيش بهدف الارتقاء به نحو قيم العدل والحرية والمساواة التي هي جزء أساسي من هذه المقاصد” (ينظر ص20-21). فكان هذا التقرير ثمرة مجهود سنوات من التنظير الذي قامت به المدرسة التونسية الحداثية لترويج مفهوم الإسلام الحداثي الذي يلغي أحكام الميراث والمهر والعدة والنفقة والردّة ويبيح الزنى واللواط والسحاق.

ملاحظة:

يجب عدم الخلط بين فكرتين: فكرة مقاصد الشريعةكما قال بها بعض علماء الأصول كالعزّ بن عبد السلام والشاطبي والطاهر ابن عاشور، وفكرة التأويل المقاصديالتي شرحناها في هذا المقال. فالفكرة الـأولى فكرة معتبرة من ناحية أصولية وإن خالفناها في بعض القواعد والتفصيلات، وأما الفكرة الثانية فلا علاقة لها بأصول الفقه ولا تدخل ضمن البحوث التّشريعية المعتبرة.

فأصحاب التأويل المقاصدي، رغم زعمهم الانطلاق من فكرة مقاصد الشريعةوأنّ عملهم هو تنزيل مقاصد الإسلام على الواقع المعيش، قد ناقضوا فكرة المقاصد كلّها كما طرحها علماء الأصول من قبل؛ ذلك أنّ المقاصد هي الأهداف والغايات العامّة التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في حياة الناس، أو هي الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة الغراء، وأثبتتها الأحكام الشريعة، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان“. وهذه المقاصد المحدّدة (حفظ الدّين والنفس والنسل والعقل والمال والعرض وغيرها عند القائلين بها) لم تعرف ولا تعرف إلا من خلال الأحكام التي جاءت بها الشريعة نفسها، ولا تتحقّق إلا من خلال الأحكام التي وضعتها الشريعة نفسها؛ ولهذا فإنّ ما جاء من أجله الإسلام لا ينفصل عمّا جاء به. ومثال ذلك: لقد وضع الشارع عقوبات لحفظ الدّين والمال والنسل والعقل وأوجب العمل بها وتطبيقها، فلا يتحقّق الحفظ إلا بها، كعقوبة القصاص أو حدّ السرقة أو الزنى أو غير ذلك. فلا يقال هنا: مقصد الشارع حفظ النفس، ويمكن أن يتحقّق بالسجن المؤبد وإلغاء عقوبة الإعدام، فهذا يناقض نظرية المقاصد من حيث طريقة تحقّقها كما قرّره القائلون بفكرة مقاصد الشريعة من علماء الأصول. علاوة على هذا، فإنّ مدرسة التأويل المقاصدي هدمت المقاصد التي حدّدها علماء مقاصد الشريعة بتشريعهم لأحكام مناقضة لها، كدعوتهم إلى إلغاء الأحكام المتعلقة بأبناء الزنى؛ إذ كيف يحفظ النسل (وهو المقصد) بإسقاط الأحكام المتعلقة به وفتح الباب لاختلاط الأنساب؟ وكدعوتهم إلى إلغاء مفهوم العرض كلّية (وهو المقصد) بتشريعهم قوانين تجيز اللواط والمساحقة والزنى. ففكرة المقاصد التي تتحدّث عنها المدرسة التونسية الحداثية هي عبارة عن وسيلة يتمّ من خلالها إخضاع الإسلام لشروط الحداثة الغربية أي الحفاظ على الإسلام كقالب أو شكل يكون مضمونه وجوهره ومحتواه مفاهيم الحضارة الغربية وأفكارها.

26 ذو الحجّة 1439هـ