الثورة وأخذ النصرة

مقدمة

عندما انتفض الناس في تونس ومن ثم حذا حذوهم أهل مصر في وجه الأنظمة المستبدة والإجرامية وبدؤوا بالاحتجاج بشكل عفوي وتمكنوا من إسقاط الطاغيتين بن علي وحسني مبارك فأطلق على تلك الانتفاضات ثورات. وتلتهما الانتفاضة في ليبيا التي تحولت إلى حركة مسلحة، وكذلك الحركة الاحتجاجية المستمرة في اليمن وقد انتقلت إلى سوريا فأطلق على كل هذه الاحتجاجات والانتفاضات في البلاد العربية الثورات العربية باسم كل بلد اندلعت فيه.
فهذا الوضع جعلنا نفكر في معنى الثورة وما المقصود منها وكيفية قيادتها وكيفية قطف ثمارها وعلاقة النصرة بها وما مصطلح سرقة الثورة أو الالتفاف عليها أو على الثائرين أو الاندساس عليهم أو معنى حرف سير الثورة أو الانقلاب على الثورة؟

تعريف الثورة
لقد جرى تعريف الثورة عقب حدوث الثورة الفرنسية بأنها عبارة عن “قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة”. وكان هذا التعريف تعبيرا عما حدث في فرنسا وليس هو نتيجة دراسة معمقة لأن يصبح تعريفا جامعا مانعا. وقد أخذ الشيوعيون بهذا التعريف إلا أنهم استبدلوا عبارة النخب والطلائع المثقفة بعبارة الطبقة العاملة. وقد عرفها البعض بأنها الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ من الوضع القائم. والخروج ضد المحتل وقتاله لإخراجه من البلاد سمي أيضا ثورة، كالثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي والثورة الفيتنامية ضد الفرنسيين أولا ومن ثم ضد الأمريكيين. وكذلك الانقلابات العسكرية في بعض البلاد سميت ثورات كثورة 23 يوليو في مصر وثورة 14 تموز في العراق. وتطلق الثورة على ما عدا ذلك مثل الثورة العلمية في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر وقد تلازمت مع عقيدة فصل الدين عن الحياة حيث نُحي الدين جانبا وقُدّس العلم وجُعل هو مصدر الحقيقة فأحدثت تغييرا شاملا في كافة المجلات ونواحي الحياة وأثرت على جميع أنحاء العالم. وبجانب ذلك حصلت الثورة الصناعية عندما تم اكتشاف الآلة نتيجة هذا التقدم العلمي فأحدثت انقلابا شاملا في استعمال الوسائل في العالم سواء وسائل الإنتاج أو وسائل المواصلات أو المعدات العسكرية وغير العسكرية وغير ذلك من المجالات. والثورة التكنولوجية التي أرّخ البعض لبدايتها نهاية القرن التاسع عشر وتطورت في القرن العشرين حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في أيامنا هذه، فأحدثت انقلابا في العالم لم تشهده البشرية. ولذلك عرف البعض التكنولوجيا بأنها طريقة التفكير في استخدام المعارف والمعلومات والمهارات بهدف الوصول إلى نتائج لإشباع حاجة الإنسان وزيادة قدراته. ولذلك اعتبروا الأجهزة الالكترونية الحديثة كنتائج للثورة التكنولوجية التي أحدثت انقلابا في عالم الاتصالات وتبادل المعلومات وفي مجالات الصناعة والزراعة والطب وغيرها وما زالت مستمرة لتشمل كافة نواحي الحياة.
فعلى ضوء ذلك نفهم مصطلح الثورة في أي مجال من المجالات بأنها تلك “الحركة البشرية الانقلابية التي تحدث تغييرا مؤثرا في حياتهم”، وإلا لا يقال لها ثورة حسبما يفهم من استخدام هذا الاصطلاح، فنرى أن هذا التعريف أدق واشمل من غيره حتى يكون التعريف جامعا مانعا. فهي حركة بشرية انقلابية أي تقلب النظام القائم وتأتي بنظام جديد وهذا النظام الجديد يحدث تغييرا مؤثرا في حياة البشر. ربما يكون شاملا يشمل كافة نواحي الحياة أو يشمل قطاعات هامة منها فيكون في كلتا الحالتين تغييرا مؤثرا. سواء كانت هذه الثورة سياسية أو غير ذلك من أنواع الثورات. ولكننا نحن هنا في صدد البحث في الثورات السياسية والثورات التي تقلب النظام القائم في المجتمع وتحدث تغييرا مؤثرا فيه.
وعندما يجري الحديث عن الثورة لتغيير نظام الحكم يتبادر إلى الذهن الحركة الشعبية ضد النظام القائم. لأن ذلك ظاهرها وواقعها، وهذا ما انطبع في أذهان الناس عندما دعا لها دعاتها وعندما تم تعريفها على أنها حركة شعبية. وكذلك قيام حركات شعبية بالفعل في العديد من أنحاء العالم نتيجة الاحتقان والكبت لدى الناس عند انتشار الفساد وعند تعرضهم للظلم وتكميم الأفواه وهضم حقوقهم والدوس على كرامتهم واهانتهم وغير ذلك من الممارسات الجائرة للنظام القائم بكل مؤسساته وأركانه ورجاله. فربما تنفجر جموع الناس فجأة دون سابق إنذار من جراء تلك الممارسات والأعمال التعسفية من قبل النظام القائم. فهي تشتعل في مكان ما ولكنها سرعان ما تعم كافة أنحاء البلاد. ومن ثم تقوم الجهات والتيارات المختلفة لتتبناها أو لتركب موجتها أو للعمل على حرفها عن مسارها سواء كانت تلك الجهات نخب مثقفة أو حركات نشأت من جديد على اثر الثورة أو أحزاب وتنظيمات كانت موجودة أصلا وهي تعمل منذ زمن لتغيير النظام. فتعمل لتجميع الناس حولها لتعبر عن مطالبهم ولتقودهم حتى تحدث تغييرات مؤثرة وأساسية في حياتهم وربما تكون جذرية. فيطلق على هذه الحركة التي تستهدف قلب النظام السياسي الحالي وتغييره بنظام جديد ثورة. والأساس في الثورة أن تأتي بنظام أفضل من سابقه لأن الناس ما قاموا وضحوا إلا ليأتوا بنظام أفضل وإلا يكون قيامهم عبثا أو أنهم لم يهتدوا للنظام الأفضل.
والحركة الانقلابية الصحيحة هي التي تغير المجتمع بتغيير مفاهيم الناس ومشاعرهم والنظام الذي يحكمهم بفكر صحيح. وهذا لا يكون إلا بالعمل الفكري السياسي بحيث تتجاوب الأمة معه. ويجب أن يكون بالعمل السلمي ولا تستخدم فيه القوة لأنه يهدف إلى تغيير مفاهيم الناس ومشاعرهم لأنك تريد أن تقنع الناس وتجعلهم يتبنون هذه الأفكار من ذات أنفسهم من دون إكراه. ولكن عملية المباشرة بإسقاط النظام القائم أو تغييره حسب الفكر الجديد فالأصل أن تتم بشكل سلمي أيضا، لان الناس عندما يقتنعوا من ذات أنفسهم بالفكر الجديد الذي سيقوم عليه النظام الجديد فإنهم سوف يقومون بتغيير النظام بأيديهم إلا إذا كان سلطان البلد ليس بأيديهم أو أن يكون الذي في الحكم يملك قوة قادرة على أن تتصدى للثورة. وبذلك يصعب إسقاطه فعندئذ تحدث المواجهة. ولذلك احتاط رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمر في بيعة العقبة الثانية إذا ما حدثت مقاومة من البعض فسميت تلك البيعة ببيعة الدم. ولكن لم تحدث مقاومة من الآخرين فبقيت سلمية من أولها إلى آخرها. وربما لم يحدث في العالم عبر التاريخ مثل هذه الحركة الانقلابية السلمية من بدايتها إلى نهايتها حتى وصولها إلى الحكم.

ماهية الثورة
ربما تحدث الثورة بالقوة المادية وربما تحدث بالعمل السلمي فاستخدام القوة ليس شرطا فيها كما هو ملاحظ في الواقع. وإنما المسألة هي حدوث انقلاب على النظام القائم للإتيان بنظام مغاير يؤمل منه أن يحدث نتائج أفضل. ولكن ربما تأتي الحركة الانقلابية بنظام أسوأ من سابقه أو تأتي بنظام يساويه في السوء، ولكن تعتبر ثورة حسب التعريف. وسبب ذلك عدم اهتداء الناس لنظام أفضل أو عدم اهتدائهم للنظام الأحسن والأفضل، أو للمؤامرة على الثورة والتحايل عليها أو سرقتها كما يقال، وخاصة من قبل رجال النظام السابق أو من قبل أعوانهم.

اشتعال الثورة
يلاحظ على الثورات أنها تبدأ بحركات احتجاجية من قبل الناس بسبب أوضاع سيئة ألمت بهم من قبل النظام القائم. فيبدأ الناس يطالبون بتغيير هذه الأوضاع وتحسين أحوالهم وإذا لم يلب النظام مطالب الناس فان الحركة الاحتجاجية متعددة الأشكال لن تهدأ بل ستزداد وستتفاقم الأمور عليه حتى تقوضه أو تسقطه. ومن الحماقة لجوء النظام إلى البطش والقوة لإخماد هذه الحركات أو لسحقها من دون أن يعالج الأمر بشكل جدي أو جذري. لأن النظام قائم على رعاية شؤون الناس فهو موجود لهم ولخدمتهم فلماذا يقوم بسحقهم؟! بل يجب عليه أن يعالج الأمر فإذا كانت مطالب الناس تتعلق بحقوقهم وبخدمتهم يجب أن يلبيها لهم، وعدم تلبيتها ظلم وجريمة. وإذا ما حدث تغير في مفاهيم الناس وقناعتهم ومقاييسهم وجب على النظام أن يقوم بعملية فكرية عميقة وجذرية وأن يخوض صراعا فكريا مع الأفكار الجديدة أو الدخيلة. وحصول مثل ذلك يدل على أن الفكر القادم أقوى من الفكر القائم عليه النظام أو أن النظام يعيش في غفلة ولم يقدر الوضع، أو انه لم يقدّر عاقبة دخول تلك الأفكار فيعالجها من البداية بشكل فكري أو انه لا يملك القدرة على مواجهة هذه الأفكار الجديدة أو الدخيلة لأسباب متعددة. والناس إذا ما أصروا على ما مطالبهم وبدؤوا يقدمون التضحيات وقد كسروا حاجز الخوف من بطش النظام فسرعان ما تتحول الحركات الاحتجاجية إلى ثورة تستهدف إسقاط النظام. لقد حصلت في مصر عدة حركات احتجاجية سابقا ولكن كانت تتوقف بعدما يقوم النظام ويسحقها كما حصل عام 1977. ولكنها لم تستهدف إسقاط النظام كما حصل مؤخرا. فما حصل في الحركة الاحتجاجية الأخيرة أن الناس بدؤوا يطالبون بإسقاط النظام لأنهم أدركوا أن سبب مشاكلهم هو النظام وهذا تطور نوعي يدل على زيادة في الوعي والإدراك لدى الناس عما كان في السبعينات من القرن الماضي. وإن لم يتحقق بعد إسقاط النظام وقد أسقطت بعض أجزائه لعدم اكتمال الوعي فان الثورة ما زالت قائمة وتحتاج إلى إنضاج أي إلى التوعية التامة. وينطبق الحال على تونس وعلى غيرها. وهذا ما نلاحظه على الحركات التي تتصدر قيادة الناس وتعبر عن فكرهم وعن مشاعرهم. فنرى أن الوعي لم يكتمل لديها. فلم يتبلور لديهم النظام البديل. والبعض منهم لم تتجل لديه الإرادة المصممة أو الصادقة والشجاعة الكاملة للتحدي رغم إدراكهم بشكل عام للنظام البديل وهو الإسلام. ولكن نستطيع أن نعتبرها مرحلة من مراحل الثورة نحو إحداث تغيير جذري وذلك عندما يتبلور لدى الناس النظام البديل وتوجد لديهم القناعة التامة به والإرادة الصادقة والشجاعة الكاملة لإقامته ويثقوا بالمخلصين على أنهم قادة وقادرين على إدارة شؤونهم على أحسن وجه. فاستعداد الناس للتضحية من أجل التغيير بل قيامهم بذلك يعتبر نجاحا لا يستهان به ولا يجوز التقليل من قيمته. وخاصة عندما نعلم أن الثورات لا تحقق أهدافها بسرعة ربما تستمر سنين كما سنرى عندما نستعرض بعض الثورات.
الفرق بين الثورة والجهاد
لدينا مفاهيم معينة تضبط كل حالة لوحدها، فدفاع المسلمين عن بلادهم ضد الغزاة أو ضد المحتلين للبلد ومقاومتهم والعمل على إخراجهم لا يسمى ثورة عندنا بل هو جهاد فمن الخطأ أن يقال الثورة الجزائرية بل الجهاد في الجزائر ولكن الكفار وعملائهم تعمدوا هذه التسمية لإبعاد الأنظار عن المفهوم الإسلامي الذي يعني طرد المحتلين من البلاد وتطهيرها منهم ومن أثاراهم ودنسهم والدفاع عن بيضة الإسلام حتى تعود عليه سيادة الإسلام ويعود السلطان لأهل البلد المسلمين. فالجزائر كانت تحكم بالإسلام فكان نظامها إسلاميا وسلطانها كان بيد المسلمين فجاء المستعمر وأراد أن يزيل حكم الإسلام عنها ويفرض عليها نظامه الرأسمالي الديمقراطي الذي يستند إلى العلمانية أو اللائكية ويبسط سلطانه ونفوذه عليها. فهب الناس مجاهدين لإخراج هذا المستعمر والعودة إلى نظامهم الإسلامي. ولكن المستعمر الخبيث عرف كيف يفعل فأتى بعملاء له خاصة من الذين تشبعوا بثقافته وحولوا الجهاد إلى حركة وطنية ومن ثم سلمهم المستعمر الحكم عند خروجه ليحكموا البلد حسب النظام الذي وضعه لهم. وما زالوا يحكمون البلاد بهذا النظام الغربي. فالفرنسيون احتلوا البلد وفرضوا نظامهم وثقافتهم بالقوة وابعدوا النظام الإسلامي واستبدلوه بنظامهم العفن الذي ما زال يشيع الفساد والخراب والانحلال وكل ما هو سيئ في البلد. فإذا قام أهل الجزائر وثاروا على هذا النظام وقلبوه واستبدلوه بنظام الإسلام نقول قد حدثت ثورة في البلد فعندئذ يأتوا بالخير. فعندما يستلم قيادة الشعب أناس من عملاء الاستعمار تشبعوا بثقافة المستعمر حتى إذا خرج هذا المستعمر بقوته المسلحة يبقى بقواه الأخرى من أشكال الهيمنة الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية وذلك عن طريق حشد من العملاء في هذه المجالات الذين استطاع أن يكسبهم. وهذا ينطبق على كل بلد إسلامي حصل فيه جهاد ضد المحتلين ابتداء من تركيا حيث كان الناس يجاهدون بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله لطرد المحتلين الانكليز والفرنسيين واليونانيين بأمر من الخليفة للحفاظ على نظام الإسلام وأمان المسلمين، فقام أتاتورك بخيانة الخليفة الذي أرسله لهذا الغرض وتعاون مع الانكليز ليهدم الخلافة ويسقط نظام الإسلام ويستبدله بالنظام الغربي الكافر وقام بانقلابات سميت باسمه في كل مجالات الحياة من نظام الحكم إلى أدنى شيء في المجتمع حتى وصل إلى تغيير في اللغة وتغيير أسماء العائلة والألقاب واللباس. وعمل على القضاء على كل ما له اثر من الإسلام في البلد واستبداله بالنظام الغربي الكافر بمساعدة الكفار المستعمرين فكان ذلك مخالفا لما يريده الناس بل ثاروا ضده فسحقهم فلا يعتبر عمل أتاتورك ثورة وإنما هو خيانة وتعامل مع المستعمرين وتلبية لمطالبهم وضد مطالب الشعب وضد إرادته. فحركته ليست ثورية، فلم تنبع من رغبة الشعب، وإنما هي قلب للنظام الذي ارتضاه الشعب ولم يقبل به بديلا، واتى بنظام مغاير له فأتى بكل ما هو سيئ فأرجع تركيا إلى الوراء وجعلها بلدا تابعا للمستعمر بعدما كانت أعظم دولة في العالم هي والبلاد الإسلامية الأخرى، وأفسد حياة المجتمع إلى أبعد الحدود. وعندما احتل الانكليز فلسطين وجاءوا باليهود وركزوا وجودهم فيها حتى تمكنوا من إقامة دولة أعلن ما سمي بالثورة الفلسطينية وأبعد مفهوم الجهاد وصبغت بالصبغة الوطنية والعلمانية لتقوم بما يريده المستعمر من القبول بكيان يهود إلى العمل على حمايته إلى تأسيس نظام مستورد من الغرب على شاكلة الدول العربية بعيدا عن الإسلام. وذلك في خطة خبيثة من المستعمرين الذين أوعزوا إلى عملائهم لتأسيس هذه المنظمات حتى تخدع الناس وتقبل بمشاريع المستعمرين. وفي الحرب ضد الاتحاد السوفيتي قبل الغرب بان تسمى جهادا ويسمى المقاتلون مجاهدين وذلك لشحذ همم المسلمين في العالم اجمع واستغلالهم لقتال السوفيات حتى تتحقق مآرب أمريكا والغرب بهزيمة الاتحاد السوفيتي والشيوعية على يد المسلمين. ولكن الغربيين الآن يصفون الجهاد ضدهم بأنه حرب إرهابية والمجاهدين بأنهم إرهابيون. فنلاحط أن مفهوم الثورة ضد المحتل يعمل على صبغه بالطابع القومي أو الوطني مع صبغة علمانية.

استعراض بعض الثورات
نريد أن نستعرض بعض الثورات بشكل مختصر لنتوصل إلى نتائج تهمنا في هذا الموضوع ولندرك طبيعة الثورات وما يحدث فيها لان هناك أمور متشابهة تحدث فيها.

الثورة الإيرانية
الثورة الإيرانية لعب فيها دوران دور الصراع الأمريكي الإنكليزي على البلد ودور تذمر الناس من ظلم الشاه واستبداده فمنذ الخمسينات من القرن الماضي بدأ الصراع الأمريكي الانكليزي هناك فقامت ما عرف بثورة مصدق الذي والى أمريكا بالخفاء ولكن خذلته أمريكا عندما اتفقت مع بريطانيا على إرجاع الشاه مقابل أن تسمح بريطانيا للشركات الأمريكية بدخول إيران وأرادت أمريكا أن تركز أقدامها حتى تبسط نفوذها كاملا على إيران في المستقبل. ولذلك بدأت تدعم كل الحركات التي تعمل على إسقاط الشاه. فعندما اشتعلت الثورة في نهاية السبعينات من القرن الماضي رأينا انه قد دخلها كل من هب ودب من حركات يسارية وقومية وليبرالية بجانب الحركات الإسلامية إلا أن شخصية الخميني التي اكتسبت عراقة ولمعانا وجاذبية وهو ما يعرف بالكاريزما والتفاف الناس حوله وعدم لمعان الشخصيات السياسية الأخرى، ولأسباب تتعلق بالصراع الدولي حيث وقفت أمريكا وراء الخميني بعدما اتفقت معه عندما رأت فيه القدرة على قيادة الشعب لإسقاط الشاه ونظامه الموالي لبريطانيا أكثر من الشخصيات الأخرى التي لم تكن مقبولة شعبيا وغير مجمع على قيادتها، ولأنها أي أمريكا تبنت أسلوب استغلال الدين في تلك الحقبة لتتمكن من إسقاط الشاه وإزالة النفوذ الانكليزي. وحاول الشاه أن يسحق الثورة بالقوة إلا أن أمريكا بدأت تضغط عليه واستطاعت أن تحيد الجيش وأجبرت الشاه على مغادرة البلاد وسلم الحكم مؤقتا لشاهبور بختيار ولكن أمريكا أجبرت شاهبور بختيار على أن يسلم الحكم للخميني بعد عودته من فرنسا.

الثورة الأمريكية
ما يعرف بالثورة الأمريكية فقد بدأت بحركات احتجاجية منذ عام 1773 أولا ضد المستعمر الانجليزي لفرضه الضرائب الثقيلة وما سمي بالقوانين الجائرة على سكان المستعمرات وانتهت بحركة مسلحة ابتداء من عام 1775 بعدما بدأ المستعمر يستخدم القوة لإجبار الناس على دفع الضرائب والانصياع للقوانين الانكليزية الجائرة التي رفضها الناس وانتهت عام 1783 بإعطاء بريطانيا الاستقلال لها. وقد قام الفرنسيون بدعمها سرا في البداية إلى أن قويت الثورة فصاروا يدعمونها علنا لكونهم كانوا يخوضون حروبا على المستعمرات مع الانكليز، وقد خرجوا للتو من هزيمتهم من كندا أمام بريطانيا بعد حرب دامت سبع سنوات. فكانت ثورة ضد ممارسات الإمبراطورية البريطانية التي كان الكثير من السكان الوافدين من رعاياها، ومن ثم تطورت إلى العمل على الخلاص من حكم الإمبراطورية وإقامة دولة مستقلة لهم بنظام جديد وان كان يستند إلى فكر المستعمر نفسه الذي ينتمون له ألا وهو المبدأ الرأسمالي. إلا انه نظام مطور عن النظام الرأسمالي. ولذلك عندما منحتها بريطانيا الاستقلال وان خسرتها كمستعمرة ولكنها لم تخسرها فكريا فمبدئها الرأسمالي هو الذي أصبح سائدا فيها. فاعتبرت ثورة على أساس أنها أحدثت انقلابا مغايرا في البلد عن سابقه أحدث تأثيرا هاما في حياة البشر حيث لم تكن أمريكا دولة وكانت بلاد مستعمرة من قبل الانكليز فأزالت سلطانهم وأوجدت سلطانا جديدا ودولة جديدة وشكلت شعبا جديدا. وأقامت نظاما جمهوريا جديدا مغايرا للنظام الانكليزي الملكي فتعتبر أول جمهورية في العالم الحديث وان استندت من ناحية فكرية إلى الفكر الرأسمالي الديمقراطي الذي يتبناه الانكليز والغرب عامة.

الثورة الفرنسية
الثورة الفرنسية بدأت بتحركات احتجاجية على ظلم الملك ونظامه عام 1789 وتطورت إلى حركة دموية وتم التوصل إلى حل وسط بإقامة الملكية الدستورية عام 1792 ولكن لم تتوقف فاندلعت مرة أخرى واعدم الملك وأعلن عن إقامة النظام الجمهوري عام 1794 وشكلت حكومة إدارة مؤقتة، وعرفت بالجمهورية المتشددة التي لا تقبل أثرا للعهد السابق وأتت بنظام جديد مختلف تماما عن النظام البائد. ولكن بعد ذلك تراجع المد الثوري وعاد ما سمي بالبرجوازيين المعتدلين وسيطروا على الحكم وانقلبوا على الثورة ووضعوا ما سمي بالدستور المعتدل وتحالفوا مع الجيش إلى أن قاموا بانقلاب بقيادة الضابط نابليون بونابرت على ما سمي بحكومة الإدارة عام 1799 وعين كأول رئيس للجمهورية التي أعلنت. وبعد 5 سنوات من ذلك وافق مجلس الشيوخ الفرنسي على تنصيب نابليون إمبراطورا. وكل ذلك حدث بعدما اشتهر نابليون بحمايته للثورة كقائد عسكري في باريس فحمى حكومة الإدارة عام 1795 ضد الثورة المضادة التي قادها الملكيون. وفي عام 1797 أصبح القائد الفعلي للبلاد. وبعد سنتين ألغى حكومة الإدارة كما أسلفنا. ولم يعد النظام الجمهوري إلى البلاد إلا بعد هزيمة نابليون عام 1815.

الثورة الروسية
في عام 1905 انطلقت المظاهرات الاحتجاجية بشكل سلمي للمطالبة بالحرية والديمقراطية التي اشترك فيها حوالي 200 ألف في بطرسبرغ. وقامت قوات الأمن التابعة للقيصر بقتل المئات منهم لتفريقها وإخمادها بالقوة. وقد اندلعت مرة أخرى بشكل سلمي من قبل العمال والجنود ضد الأوضاع الاقتصادية من ارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور وازدياد نسبة البطالة وضد خوض الحرب العالمية الأولى بجانب الحلفاء، وقد أخمدت. إلا أنها استؤنفت مرة أخرى في الأشهر الأولى من عام 1917 إلى أن اضطر القيصر إلى التنازل عن العرش وتسليم السلطة للأمير جورج ليفوف في 15/3/1917 ولكن الاحتجاجات الإضرابات لم تهدأ وقد استطاع الشيوعيون بقيادة لينين أن يتصدروا الثورة ويحولوها لطرفهم لأنهم كانوا أصحاب مبدأ يعملون على إيصاله إلى الحكم، وقد اسقطوا هذه الحكومة وشكلت حكومة أخرى في تموز من نفس العام واستطاعوا أن يسقطوها ويسقطوا النظام القيصري بعدما استطاعوا أن يكسبوا الجيش، إلى أن توجت بالانتصار لصالحهم في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام، وذلك بعدما حولوها إلى حركة ثورية مسلحة بجانب كسبهم للجيش الذي قام بانقلاب عسكري أدى إلى سقوط النظام وإعدام القيصر وعائلته. وكان لألمانيا دور في دعم لينين وحركته حتى تخرج روسيا من التحالف المشكل ضدها من قبل بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الأولى. ولكن الذين لم يقبلوا بالنظام الاشتراكي بدؤوا بالثورة المضادة، وقد دعمتهم بريطانيا وفرنسا إلا أن النظام الجديد بقيادة الشيوعيين استطاع أن يقضي عليهم عام 1920.

الثورة الانكليزية
وما يسمى بسرقة الثورة أو الاندساس عليها أو العمل على حرف مسارها شيء حقيقي قد تجلى في الثورة الانكليزية التي اندلعت عام 1642 حتى عام 1646 ولكن لم تحقق أهدافها وقد فر الملك تشارلز الأول عام 1647 فاندلعت الثورة مرة أخرى عام 1648 ولكن الملك عاد مرة أخرى إلى أن اعدم عام 1649 ونفي نجله الملك تشارلز الثاني وقد اندس على الثورة اللورد أوليفر كرومويل فثبت وجود سيادة العائلات العريقة وأصحاب المال ومنهم العائلة المالكة بصورة أخرى عندما لم يلغ النظام الملكي ويعلن الجمهورية كما كان يطالب الشعب ويقبل بوجود الملكية محددة الصلاحيات ولم يلغ سيطرة العائلات العريقة والثرية. حتى إن هذه الانجازات لم تثبت بسبب عدم تصفية الملكية وحكم العائلات العريقة وظلت الفوضى والإضرابات مستمرة حتى عام 1689 عندما عزل الملك جيمس الثاني وصدر إعلان الحقوق من قبل البرلمان الانكليزي الذي ينص على أن حق الملك في التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان وليس من الله، ولا يحق للملك أن يلغي القوانين أو يوقف تنفيذها أو أن يصدر قوانين جديدة إلا بموافقة البرلمان ولا يفرض ضرائب جديدة ولا يشكل جيشا جديدا إلا بموافقة البرلمان وحرية الرأي والتعبير مكفولة ومصانة للبرلمان.

نتائج هذا الاستعراض
من استعراض الثورات القديمة والثورات الحديثة التي ما زالت مستمرة في العالم العربي ولم تؤت أكلها بعد ويجري التآمر عليها نستطيع أن نستنتج الأمور التالية:

  1. الثورات يدخلها كل من هب ودب وكل طرف يعمل على جذبها لطرفه، ويندس بينها من أركان النظام القائم الذي ثار عليه الناس لتغييره ومن العملاء الجدد، فيركبون الموجة ويمتطون الثورة، فهي محفوفة بالمخاطر.
  2. الثورة لا تحقق أهدافها بسهولة وإنما تطول وتمر في مراحل وتجري فيها مساومات. وربما تقبل بأنصاف الحلول لصعوبة الظروف التي تسيطر عليها وخاصة عندما يتمكن العملاء من أن يصبحوا قادة لها، بجانب وجود قيادات ضعيفة من بين الثائرين لا تحدد هدفها أو لا تصر عليه.
  3. كثيرا ما تتحول الثورة إلى حركة مسلحة بعدما تبدأ بالاحتجاجات السلمية على تردي الأوضاع وعلى الظلم والاستبداد وعلى هضم الحقوق وتفشي الفساد والمحسوبية واهانة كرامة الإنسان، فتسفك فيها الدماء وتختلط الأمور على الناس.
  4. احتمال تدخل الدول الأجنبية التي لها مصالح في إنجاحها أو إفشالها وتبدأ بالعمل على شراء الذمم ليكون لها قدم في البلاد.
  5. تختلط فيها أفكار كثيرة ومشاعر مختلفة وتطرح فيها حلول متعددة وإن كان هدفها العام إسقاط النظام والإتيان بنظام أفضل. فتظهر عقبات أمام سيادة الفكر الصحيح ويواجه أصحابه صعوبة في جعل الناس يتقبلوه لوحده دون غيره. لأنهم يرون مشاركة أصحاب الأفكار الفاسدة معهم في الثورة فلا يقللون من شأنهم.
  6. كثيرا ما يكون للجيش دور في حسم الأمور سواء بالتحرك مباشرة أو بوقوفه على الحياد حتى يسهل إسقاط النظام، والذي يكسب الجيش لصالحه يمكنه أن يقود الثورة ويأتي بالنظام الذي يريده.

الثورة وطريقة الوصول إلى الحكم
إننا نقول إنه يجب الوصول إلى الحكم عن طريق الأمة فالطريقة أي الكيفية الثابتة هي الوصول إلى الحكم عن طريق الأمة. فالأمة هي التي تعطي الحكم لان السلطان للأمة وهي التي تمنحه لمن تشاء من أبنائها. والثورة هي أسلوب لتغيير النظام من قبل الأمة، فإذا ثارت الأمة وأسقطت النظام نسعى عن طريقها لأن نستلم الحكم حتى نحدث الانقلاب الكلي والتغيير الجذري في الحياة وفي المجتمع وفي الدولة. وقد قمنا وشجعنا الناس على الانتفاضة والثورة السلمية في وجه الأنظمة المستبدة حتى نستطيع أن نأخذ النصرة من ممثلي الناس الثائرين ومن أهل الحل والعقد ومن أهل القوة. وإذا تحول الأمر إلى ثورة مسلحة فنعمل أيضا على كسب الثائرين لفكرنا ولنصرتنا. فالطريق هي اخذ الحكم عن طريق الأمة لإحداث الانقلاب الشامل والتغيير الجذري.
وما يسهل سرقة الثورة أو حرفها هو عدم وجود وعي تام لدى الناس فتندس عليهم قيادات مزيفة لتسرق الثورة أو لتحرفها وهذا ناتج عن عدم تحديد الناس للنظام الذي يريدونه وعدم إدراكهم لفكر واضح بديل وعدم تمييزهم بين القيادة المخلصة عن غيرها، فعندئذ يصعب على القيادات المخلصة أن تمسك بزمام الأمور في ظل الهرج والمرج وتقنع الناس لتنقاد لها. فعند فقدان ذلك يصبح الجو مائعا وملائما لاندساس كل شخص عليها. ففي مثل هذه الثورات يدخلها المخلص وغير المخلص، وكل تنظيم يبدأ بالعمل على جعل فكره هو الذي يسود ويعمل على أن يكون هو القائد فهي مجال فسيح للخير وللشر. وتبدأ الدول الأجنبية بالتدخل بصور مختلفة وتعمل على كسب العملاء أو تعمل على جعل عملائها هم الذين يستلمون زمام الأمور ويصبحوا قادة ومن ثم حكاما وذلك بإبرازهم بصور شتى ومنها وسائل إعلامهم. فالانتفاضات والثورات في البلاد العربية التي اشتعلت بشكل عفوي على الظلم والاستبداد وهضم الحقوق وهدر الكرامات واهانة الناس واحتقارهم وتعذيبهم وعلى الفساد المستشري في البلاد ودعت إلى إسقاط الأنظمة والقائمين عليها لم تبرز الإسلام كنظام بديل ولا غير، رغم أن الثائرين أو المنتفضين هم مسلمون بأغلبيتهم الساحقة. وصار همُّ الناس المشترك إسقاط النظام والقائمين عليه ومحاسبتهم وإعادة الكرامة والحقوق إلى أهلها دون بيان الكيفية لذلك ومن دون بيان البديل بشكل واضح. ولهذا استطاع رجال النظام السابق أو ممن هم من مخلفاته أن يندسوا بين المنتفضين وقد قبلهم الناس بسبب عدم وعيهم التام وقبلوا حكومتهم بجانب المجلس العسكري الحاكم. وبدأ الجدل يدور حول النظام القادم أهو إسلامي أم علماني. وقسم من الجماعات الإسلامية والمفترض منها أن تصر على تطبيق الإسلام تنازلت بعض الشيء فلم تتخذ الموقف الحاسم. وتحاول وسائل الإعلام أن تلعب دورا في المعركة وأكثرها لصالح عملاء الفكر الأجنبي العلماني وللسياسة الأجنبية. ولكنها تبقى وسائل لا يمكن أن تؤثر إذا أصرت الجماعات الإسلامية على مطلبها المتعلق بمجيء الإسلام وتحكيمه ففي النهاية سيظهر ذلك والناس ستدرك ما هو موجود على الأرض مهما عملت وسائل الإعلام على التعمية وعلى التضليل وإخفاء الحقائق وإبراز كل ما هو زائف وباطل.

الخلاصة
ومع كل ذلك فعلينا أن نعمل على كسب الثورة لصالحنا ببث فكرنا بين الناس وطرح حلولنا وتقديم النظام البديل نظام الخلافة الراشدة وعرض قيادتنا عليهم، فنعمل على أخذ النصرة ممن بيدهم القوة ومن قادة الثورة ومن المؤثرين فيها. لأن طريقنا هي أخذ الحكم عن طريق الأمة.
ولكن الطريق الأسلم والأمتن والأفضل في التغيير وقلب النظام هي طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهي العمل على إقناع الناس بالفكر الذي تحمله حتى يقوم قادتهم بالتخلي عن الحكم وتسليمه لصاحب الفكر الجديد. فقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحدث ذلك في مكة ولكن قادتها رفضوا. وقد حاول مع بلاد وقبائل أخرى فمنهم من اشترط شروطا لم يقبلها الرسول ومنهم من رفض عرضه من البداية. ولكن تحقق ذلك في المدينة عندما تقبلت غالبية الناس الإسلام وقبله أهل القوة وأهل الحل والعقد ووجد له الرأي العام. وان كانت الطريقة تبدأ من إعداد الكتلة التي ستحمل الدعوة وتقود الأمة وبناء هذه الكتلة بناء سليما ككتلة الصحابة رضوان الله عليهم ومن ثم تنطلق نحو التثقيف الجماعي للأمة بجانب استمرار التثقيف المركز لحملة الدعوة والقيام بخوض الصراع الفكري مع كافة الأفكار المخالفة للإسلام ومحاربة كافة الأطروحات والحلول المناقضة للإسلام بجانب الكفاح السياسي، والعمل على سيادة المبدأ الإسلامي في الأمة بشكل واضح ومحدد ومبلور بشكل يجعل الأمة تتبناه وإيجاد الرأي العام عنه المنبثق عن الوعي التام ومن ثم العمل على قيادة الأمة خلف الحزب قيادة منفردة لا تختلط بها قيادات غير مخلصة ومن ثم محاولة أخذ النصرة ممن يمثلون الأمة من أهل الحل والعقد وممن بأيديهم القوة من القادرين على حسم الأمور وبذلك نكون قد بنينا أمة على عين بصيرة وأوجدنا مجتمعا إسلاميا تسوده الأفكار والمشاعر الإسلامية ويحكمه نظام الإسلام الذي يتمثل بدولته دولة الخلافة، وبذلك نتقي شر الفتن والتجاذبات وتدخل الدول الأجنبية واندساس المنافقين والموالين للكفار بمختلف مسمياتهم وتياراتهم وننقي المجتمع من الأفكار والمشاعر غير الإسلامية وهذه هي الطريقة الشرعية التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء أمة على فكر واحد وإقامة الدولة على هذا الفكر فأوجد مجتمعا راقيا بعد أن أخذ النصرة من قادة الناس الذين آمنوا بهذا الفكر ووثقوا بقيادته من دون أن يريق قطرة دم واحدة فأهل المدينة آمنوا به وآووه ونصروه، فلم يقبل بوجود فكر آخر مع فكره ولا تنظيم آخر مخالفا لتنظيمه فعمل على سيادة الإسلام وحده بشكل صريح من دون تحالفات مع قوى معارضة ومن دون تنازلات، وقد حاولت قريش خداعه على شاكلة إقامة نظام وطني وذلك بان تجعله ملكا على مكة في ظل نظامها مع تعايش دينها مع دينه. وكذلك القبائل الأخرى التي اشترطت لنصرته على أن يكون لها الملك والأمر من بعده، فرفض كل ذلك فأصر على مطلبه بان يؤمنوا به رسولا من عند الله الواحد الأحد ويتبعوا ما جاء به من عند ربه، وأعلن موقفه إما أن يظهر الله هذا الدين وحده وسيادته في الدولة وفي المجتمع وإما الهلاك والموت دونه. واليوم نرى من يسمون بالإسلاميين يقبلون بأقل من أن يكونوا ملوكا أو رؤساء في ظل نظام الكفر ويتنازلون عن سيادة الإسلام ويعملون على التعايش مع المبادئ والأفكار والتنظيمات المخالفة للإسلام مظهرين مخالفتهم لدينهم ولطريقة رسولهم صلى الله عليه وسلم في التغيير والوصول إلى الحكم معرّضين مصير أمتهم للخطر ومنع سيادة مبدئهم في الدولة والمجتمع.
فعلينا أن نستمر في الطريق الأسلم والشرعي، وعلينا أن نعمل على توجيه الثورات نحو الوجهة الصحيحة، ونعمل على كسبها وأخذ النصرة من أهلها حتى يتحقّق الوعد الرباني بنصر هذه الأمة. {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

12/11/2011م