الشمائل المحمدية

لا أحسب مسلما يخير في أي الأماني أحب إليه أن يحصل بعد تعدادها ثم لا يكون مختارا منها أن يرى ذات نبيه محمد صلى الله عليه و سلم، وإذا كان رسول الله قد تمنى أن يرى من يجيء بعده من المسلمين لمحبته أمته كما في الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله قال: “وددت أني قد رأيت إخواننا فقال له أصحابه يا رسول الله ألسنا بإخوانك قال بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض”، فكيف لا تكون شدة حب الأمة نبيها مبعث تمنيهم أن يروه . فلئن فاتهم إمكان رؤية ذاته الشريفة فلهم في التعلق بصفاته سلوى كما قال البوصيري … ( فتنزه في ذاته ومعانيه استماعا أن عز منها اجتلاء) ولأجل هذا تنافس السلف الصالح الذين لم يشاهدوا ذات النبي صلى الله عليه وسلم أو لم تعلق تفاصيل صفاته المباركة بمخيلاتهم لصغر سنهم حين رأوه دآئبين على طلب تعرف صفاته عساهم أن يتلمحوا من تلك الصفات ملامح ذاته المباركة. فقد سأل الحسن و الحسين رضي الله عنهما خالهما هند ابن ابي هالة، وكان وصفا عن صفة رسول الله وسأل الحسين أباه عليا رضي الله عنهما ثم حدث بها أخاه الحسن، وقد استشعر من بقي من الصحابة أهمية جمع صفات رسول الله لمن يأتي من أمته فظهر منهم حرص على تحديث الناس بذلك فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى أحدا من الأعراب أو أحدا لم ير النبي صل الله عليه وسلم يقول له ألا أصف لك النبي ثم يفيض في وصف شمائله. وجاء رجل من بني عامر إلى أبي أمامة الباهلي فقال له يا أبا أمامة إنك رجل عربي إذا وصفت شيئا شفيت منه فصف لي رسول الله كأني أراه، ففاض أبو أمامة في ذكر شمائله صلى الله عليه و سلم . فصار مثل المسلمين في ذلك قول بشار:

                             قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم *** الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

وإن محبة الذات تقتضي محبة ذكر صفاتها كما أن محبة ذكر الصفات تقتضي المحبة من صاحب الصفات بما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: “أن رجلا كان يقرأ لأصحابهم في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمان وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه”. و لقد يسر الله للمؤمنين أن ألهمهم البحث عن شمائل رسول الله قبل انقراض عصر الصحابة ليبقى منها أثر قائم لمن يأتي من المسلمين في سائر العصور والأجيال يرد على قلوبهم روحا يهب على لهيب أشواقهم إلى ذات نبيهم فانبرى المسلمون في آخر عصر الصحابة إلى تقيد هذه الصفات المباركة كما ينبئ بذلك وجداننا معظم أحاديث شمائله صلى الله عليه وسلم مرويا عن المعمرين من الصحابة مثل ما يروى عن انس بن مالك وسهل بن سعد وأبي الطفيل عامر بن وائلة آخر أصحاب رسول الله وفاة أو عمن ثبتت لهم الصحبة بالمولد الذين كان لهم بخاصة أصحاب رسول الله اتصال مثل الحسن والحسين فيما روياه عن أبيهما كرم الله وجهه أو عن خالهما هند بن أبي هالة رضي الله عنه، وقد كان أصحاب رسول الله إذا رأوا رجلا يشبه رسول الله اهتزت أنفسهم إليه شوقا إلى شبيهه فقد كان أبو بكر إذا رأى الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله يقول ( بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي).

وكان كابس بن ربيعة يشبه النبي صلى الله عليه وسلم فكان أنس بن مالك إذا رآه بكى وبلغ خبره إلى الخليفة معاوية رضي الله عنه ( وهو من أعرف الناس بصفة رسول الله إذا كان صاحبه وصهره وكاتب وحيه) فأرسل معاوية في أن يوجه إليه كابس من البصرة إلى دمشق فلما دخل عليه قبل معاوية بين عيني كابس واقطعه قطيعة وكانوا يحصون الصحابة الذين يشبهون رسول الله في كثير من شماله ويحصون من كان يشبه من التابعين فمثلهم كمثل قول الشيخ ابن الفارض:

                                    أبيت سهرانا أمثل طيفه *** للعين كي ألقى خيال خياله

ثم انقرض عصر الصحابة فغفل الناس عن معرفة من يشبه الذين يشبهون رسول الله لأن المشابهة في ملامح الذات لا يتوسمها إلا الذي عرف الذات فتحصل له عند رؤية مشابه الذات لمحة من طلعة الذات المشبه بها فهناك يتوسم الذات اللائحة حتى يعرف من أين جاء الشبه فيصفه وسنذكر أسماء من أحصيناهم من هؤلاء السادة في آخر هذا المقال.

الآثار المروية في الشمائل:

إن أحاديث الشمال المحمدية الراجعة إلى صفة ذاته كثيرة تنتهي أسانيدها إلى ثلاثة وعشرين من الصحابة وهم عليّ بن طالب، سعد بن أبي وقاص، عائشة، عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، أبو هريرة، جابر بن عبد الله، البراء بن عازب، جابر بن سمرة، أبو أمامة الباهلي، جبير بن مطعم، أبو الطفيل، هند ابن أبي هالة، عمرو بن أخطب، سلمان الفارسي، أبو سعيد الخدري، عبد الله بن سرجس، أم هاني بنت أبي طالب، أبو رمثة، أم هلال أم بلال، عبد الله بن العباس، السائب بن يزيد، أم سعيد الخزاعية.

وقد رأيت أن أحذف أسانيدها و أختصر ما ورد فيها مما به الحاجة ويسهل معه التوصيف وأرتبه على مواضع الجسد ولا أذكر إلا مافيه صفة ذات من شأنها أن تشاهد وأترك المكرر إلا ما في بعضه بيان أو خلاف بالنسبة لبعض آخر مع المحافظة على الألفاظ الواردة في الآثار وإذا كان بعض ما وصفه به الواصفون يفسر البعض الآخر ذكرته بكلمة أي التفسيرية بدون وضع بين هلالين و إذا كان التفسير من كلامي بين هلالين.

تفصيل الشمائل:

( عموم الجسم و القامة): ليس رسول الله بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد وهو ربعة (متوسط الطول) إلى الطول أقرب رجل بين الرجلين بعيد ما بين المنكبين. جليل الكتد (مجمع الكتفين وهو الكاهل) جليل المشاش (رؤوس المناكب) ضخم العظام ضخم الكراديس (رؤوس المفاصل) فخم مفخم (ليس بنحيف و لا دقيق العظام) ليس بالمطهم (الكثير اللحم) ولما كبر بدن. بادن متماسك (غير مسترخي اللحم) أجرد سائل الأطراف (غير قصير اليدين ولا الأصابع) إذا مشى يتكفأ يتقلع كأنما ينحط من صبب (مكان منحدر) لو ينقلع من صخر كأنما يمشي في صعد أسرع الناس مشية لونه ليس بالأبيض الأمهن (الشديد البياض) و لا بالآدم (الأسمر) أسمر اللون إلى البياض أي أبيض مشرب بحمرة أزهر اللون أبيض كأنما صيغ من فضة أنور المتجرد (ما تغطيه الثياب).

(الرأس): عظيم الهامة، رجل الشعر أي ليس بالجعد القطط ( الجعد الوصوف بالجعودة وهي عسر ارتخاء الشعر والقطط، شديد الجعود) و لا بالسبط ( السبوطة ارتخاء الشعر بدون التواء) و قيل سبط الشعر ( فالمعنى أنه إلى السبوطة أقرب) عظيم الجمة كان شعره فوق الوفرة ودون الجمة ( الوفرة الشعر الواصل إلى شحمة الأذنين والجمة ما تدلى على المنكبين واللمة بينهما) وقيل كان ذا وفرة أي شعره إلى شحمة أذنيه وقيل كان ذلة (و لعل أحوال) إن فرقت عقيقته (شعر الرأس) فرقة وإلا تركه وكان يسدل شعره وكان أهل الكتاب يسدلون وكان المشركون يفرقون وكان يحب موافقة أهل الكتاب ثم فرق رأسه وربما ظفره فقد دخل مكة يوم الفتح وله أربع ضفائر وكان شعره أسود وفي شيب قليل شعرات.

(الوجه): في وجهه تدوير مع استطالة قليلة، لم يكن بالمكلثم ( أي المدور الوجه) واسع الجبين صلت الجبين سهل الخدين أسيل الخدين (لا نتوء فيهما) ولوجهه بريق كأن الشمس تجري في وجهه.

(الأنف): أقنى العرنين (أقنى طويل بدقة والعرنين الأنف) يحسبه من لم يتأمله أشم (الشمم استواء أعلى قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في الأرنبة) يرى في أنفه بعض أحديداب.

(العينان): أكحل العينين أدعجهما (شديد سوادهما) و قال جابر بن سمرة إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل أشكل (الشكل حمرة في بياض العين) مشرب العينين حمرة وقيل أحور (شديد بياض أبيض العينين) أهدب الأشفار ( طويلها) في أشفاره وطف (كثرة شعر) نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ( إلى فوق) جل نظره الملاحظة (حافظا نظره).

(الحاجبان): أزج الحواجب (دقيقهما مع تقوس) سوابغ في غير قرن وقيل مقرون الحاجبين ( أي يقربان من القرن) بين حاجبيه عرق يدره الغضب.

(الأذنان): تام الأذنين.

(اللحية والشارب): كث اللحية (كثير الشعر) قد ملأت نحره سوداء اللون فيها شيب شعرات في مقدمها من تحت الشفة السفلى وكان يقص شاربه (من جهة الشفة).

(العنق): في عنقه سطع (بالتحريك ارتفاع) كأن عنقه إبريق فضة إذا التفت التفت جميعا.

(الصدر والبطن): سواء البطن والصدر موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط أشعر أعالي الصدر ليس في بطنه و صدره شعر غير ذلك دقيق المسربة (بضم الراء الشعر الذي يكون من النحر إلى السرة) عاري الثديين والبطن (من الشعر) أجرد بطنه أبيض كالقراطيس المثنية بعضها على بعض.

(اليدان): أشعر الذراعين والمنكبين طويل الزندين عبل العضدين (ضخمهما) شثن الكفين (غليظ فخم) رحب الراحة ضخم الكراديس (رؤوس العظام) سائل الأطراف لين الكفين كالحرير وروي أن سبابتيه أطول من الوسطيين وهو غلط وإنما ذكر ذلك في سبابتي رجليه كما سيأتي.

(الظهر): بين كتفيه في ظهره خاتم النبؤة وهو غدة أي بضعة ناشزة حمراء مثل زر الحجلة ( الزر بزاي مكسورة ثم راء قطعة من ثوب تحشى بصوف أو نحوه و تخاط فتكون كشكل البيضة يشد بها شقة أثواب الحجلة بفتحتين وهي البيت كالقبة بأن يدخل الزر في عروة تقابله فتقع الشقة على الشقة).

(الرجلان): شثن القدمين خمصان الأخمصين (ضامر وسط القدمين) مسيح القدمين أملسهما (لا نتوء فيهما ولا شقوق) قليل لحم العقب رحب القدمين أي ضخمهما وكان في ساقيه خموشة (أي دقة) ولساقيه بريق وروى أحمد بن حنبل والبيهقي حديث أن سبابتي ساقيه أطول من الوسطيين لكن في سنده سلمة بن حفص السعدي كان يضع الحديث و الصحيح أن ذلك لا أصل له وأن خلق أعضاء رسول الله على أحسن خلقة صلى الله عليه وسلم.

من يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان بعض الصحابة وبعض التابعين يشبه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يعد التابعين أحد يشبهه وسبب ذلك أن أصحاب رسول الله الذين كانوا يرون شبهه في بعض الذوات قد انقرضوا في عصر التابعين فلم يبق من تلوح له ملامح ذات رسول الله في بعض الذين يشبهونه لأن الشبه يحصل من مجموع صفات لا يتفطن لها إلا من يعرف المشبه به الموصوف بها.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يشبهه تسعة عشر أو عشرون وهم ابنته فاطمة وابنه إبراهيم وجعفر بن أبي طالب قال له رسول الله أشبهت خلقي وخلقي وأبو سفيان ابن الحرث بن عبد المطلب أخو رسول الله من الرضاعة وعثمان بن عفان وقثم بن العباس والحسن بن علي يشبه رسول الله في نصفه الأعلى وكان أبو بكر يلاطفه وهو صغير يقول له ( بأبي شيبه بالنبي ليس شبيها بعلي) والحسين يشبهه في نصفه الأسفل، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عون بن جعفر بن أبي طالب، محمد بن عقيل ابن أبي طالب، مسلم بن عقيل بن أبي طالب، عبد الله بن الحرث بن نوفل الملقب ببة، مسلم بن معتب ابن أبي طالب، عجير بن عبد يزيد بن هاشم بن طالب، كابس بن ربيعة، السائب بن عبيد، عبد الله بن عامر بن كريز العشمي، عبد الله بن أبي طلحة الخولاني، وكان كف علي بن أبي طالب يشبه بكف رسول الله فهؤلاء الذين بلغ بهم استقراءي لمن ذكر أنه يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن مشابهتهم إياه متفاوتة وكلها لا تبلغ تمام شبهه وهذا معنى قول علي رضي الله عنه في حديث صفته ( يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله) و عليه يحمل قول البصيري رحمه الله:

منزه عن شريك في محاسنه *** فجوهر الحسن فيه غير منقسم


ملاحظة: أرسل لنا أحد الإخوة القراء مشكورا هذا المقال للشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى، وقد وجدنا في المقال بعض النقص والتصحيف، فاجتهدنا في تصحيحه وتحقيقه رغم أننا لم نعثر على أصل نرجع إليه، فمن وجد من القراء خطأ فليرسله إلى المجلة مشكورا وسنقوم بإذن الله بتدارك الخطأ.

22 ربيع الثاني 1428هـ

مجلة الزيتونة