غير المسلمين في دار الإسلام

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

إنّ وجود غير المسلمين في دار الإسلام أمر طبيعي وحتمي. فهو طبيعي لأنّ سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه اقتضته. فقد شاء سبحانه وتعالى للبشر أن تتعارف، فتحتك ببعضها بعضا، وتعيش مع بعضها بعضا، وتتعامل مع بعضها بعضا. قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات13). وهو أمر حتمي لأنّ سياسة الدعوة إلى الإسلام حتمته، إذ إنّ احتكاك غير المسلمين بالمسلمين، وعيشهم في دار الإسلام، وخضوعهم لأحكام الإسلام العادلة قد يكون مدعاة لإسلامهم.

وقد بنى الإسلام وجود غير المسلمين في داره، سواء أكان وجودهم مؤقتا أم غير مؤقت، على فكرة العقد، وهو موثق وعهد بين طرفين يستلزم حقوقا وواجبات يراعيها العاقدان. والدليل على هذا قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}(التوبة6). والمراد إن طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره أي أمّنه أو أعطه العهد والميثاق على ذلك، لأنّ الجوار هو أن تعطي الرجل ذمة أي عهدا وضمانا، وهو ما يفيد معنى العقد. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا من قتلَ نفساً معاهدةً لهُ ذمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِ اللّهِ فقدْ أخفرَ بذمَّةِ اللّهِ فلا يرحْ رائحةَ الجنَّةِ وإنَّ رِيحها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خَريفا”. وأخرج أبو داود عن عمرو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدّ مُشِدّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرّيهمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِه”. وأخرج ابن هشام في السيرة عن عمر مولى غَفْرَة [أخت أو بنت بلال رضي الله عنه] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا”. وفي هذه الأحاديث الثلاثة ألفاظ “العهد” و”الذمة” المفيدة للعقد؛ لأنّ الواقع اللغوي لهذه الألفاظ يدلّ على تقاربها.

جاء في لسان العرب: “العَقْد: نقيض الحَلِّ (…) وعَقَدْتُ الحبْلَ والبيع والعهد فانعقد. والعَقْد: العهد، والجمع عُقود، وهي أَوكد العُهود. ويقال: عَهِدْتُ إِلى فلانٍ في كذا وكذا، وتأْويله أَلزمته ذلك، فإِذا قلت: عاقدته أَو عقدت عليه فتأْويله أَنك أَلزمته ذلك باستيثاق. والمعاقدة: المعاهدة. وعاقده: عاهده. وتعاقد القوم: تعاهدوا”. وجاء في القاموس المحيط: “عَقَدَ الحَبْلَ والبَيْعَ والعَهْدَ يَعْقِدُهُ: شدَّهُ (…) والعَقْدُ: الضَّمانُ والعَهْدُ”.

فالأصل في العقد المعنى الحسي له، وهو الربط والشدّ والتوثيق، ثم استعير للدلالة على كل ما أفاد هذا المعنى في بقية الأمور المعنوية، كما في البيع والعهد. فيقال: عقدت البيع إذا ربطته بين طرفين، وعقدت العهد إذا ربطته بينك والطرف الآخر. ويقال أيضا: عقدت اليمين، إذا وثقتها باللفظ مع العزم عليها. ومنه أيضا الاعتقاد باعتباره عقد القلب على الشيء وإثباته في النفس.

ومن الألفاظ القريبة من العقد لفظة العهد، فيقال عاقده أو عاهده بمعنى واحد؛ لأن العهد موثق والتزام كالعقد. قال الجرجاني (في التعريفات): “العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، ثم استعمل في الموثق الذي تلزم مراعاته”. وقال أبو البقاء الكفوي (في الكليات): “العهد: الموثق. ووضعه لما من شأنه أن يراعى ويتعهد كالقول والقرار واليمين والوصية والضمان والحفظ والزمان والأمر (…) والعهد: الإلتزام”.

ومن الألفاظ القريبة أيضا لفظة الذمة. جاء في المصباح المنير للفيومي: “وتفسّر الذمة بالعهد وبالأمان وبالضمان أيضا (…) وسمي المعاهد ذميا نسبة إلى الذمة بمعنى العهد”. وفي مختار الصحاح: “الذِّمامُ الحرمة وأهل الذِّمَةِ أهل العقد قال أبو عبيد: الذمة الأمان في قوله صلى الله عليه وسلم “ويسعى بذمتهم أدناهم”. وجاء في لسان العرب: “والذِّمامُ والمَذَمَّةُ: الحق والحُرْمة، والجمع أَذِمَّةٌ. والذِّمَّة: العهد والكَفالةُ، وجمعها ذِمامٌ. وفلان له ذِمّ أي حق. وفي حديث عليّ كرم الله وجهه: ذِمَّتي رَهِينه وأَنا به زعيم أَي ضماني وعهدي رَهْنٌ في الوفاء به (…) والذِّمامُ: كل حرمة تَلْزمك إِذا ضَيَّعْتَها المَذَمَّةُ، ومن ذلك يسمى أَهلُ العهد أَهلَ الذِّمَّةِ، وهم الذين يؤدون الجزية من المشركين كلهم. ورجل ذِمِّيٌّ: معناه رجل له عهد. والذِّمَّةُ: العهد منسوب إِلى الذِّمَّةِ. قال الجوهري: الذِّمَّةُ أَهل العقد”.

وأما في اصطلاح الفقهاء فالعقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله. وقيل هو “ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعا”. وقيل “هو الربط بين طرفي الإيجاب والقبول. كما في عقد البيع، فهو الربط بين طرفي الإيجاب والقبول المتمثل بكل من جهتي البائع والمشتري. وكما في عقد الإجارة، فهو الربط بين طرفي الإيجاب والقبول المتمثل بكل من جهتي المؤجر والمستأجر”.

والذمة والأمان والعهد كلها عقود، فيها ربط بين طرفي الإيجاب والقبول المتمثل بكل من جهتي المسلمين وغير المسلمين. فإذا أراد غير المسلم الإقامة في دار الإسلام عقد مع المسلمين عقدا يبيح له البقاء بينهم في دارهم. لذلك فإن سبب وجود غير المسلمين في دار الإسلام هو العقد الذي أبرم معهم.

أقسام غير المسلمين

قال ابن القيم – رحمه الله – (في أحكام أهل الذمة ج:2، ص 873): “.. الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان، وقد عقد الفقهاء لكل صنف باباً فقالوا باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة، ولفظ الذمة والعهد يتناول هولاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد، وقولهم هذا في ذمة فلان، أصله من هذا، أي: في عهده وعقده، أي: فألزمه بالعقد والميثاق، ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته، سواء وجب بعقده أو بغير عقده، وهكذا لفظ الصلح عام، وفي كل صلح هو يتناول صلح المسلمين، بعضهم مع بعض وصلحهم مع الكفار، ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهل الذمة، عبارة عمن يودي الجزية وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام، كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل وتجار ومستجيرون، حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبو حاجة من زيارة أو غيرها، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربياً كما كان”. وعليه، فإنّ غير المسلمين الذين يجوز لهم دخول دار الإسلام والإقامة فيها هم: المستأمنون والمعاهدون والذميون. والفرق بينهم هو أن المستأمنين والمعاهدين إقامتهم مؤقتة، في حين أن الذميين إقامتهم غير مؤقتة، وهم الذين ينطبق عليهم وصف كونهم من رعية دولة الخلافة.

ولما كان وجود أهل الذمة في دار الإسلام أمر واقعي، وكان أهل الذمة من رعية دولة الخلافة، فإننا نتعرض في هذا المقال إلى بعض الأحكام المتعلقة بهم خاصة. وذلك لأمرين: أولهما، أن على الأمة الإسلامية وهي تتهيأ لبزوغ شمس الخلافة أن تعي على الأحكام المتعلقة بمن يعيش بينهم ويشكل معهم رعية الدولة. ثانيهما، أن على هذا الجزء من الرعية الذي يطلق عليه اصطلاح “أهل الذمة” أن يعي على واقعه في دولة الخلافة وأن يطمأن لعدل هذه الدولة فلا يتخذها عدوا وقد اتخذته من رعيتها.

عقد الذّمة وأدلته

الذمة لغة هي العهد والأمان والضمان، لأن نقضها يوجب الذم. وأما في الاصطلاح فعقد الذمة هو: “التزام تقرير الكفار في ديارنا، وحمايتهم، والدفاع عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم”، أو هو “إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة”، أو هو “أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب – أو غيرهم – من الكفار على كفرهم بشرطين: الشرط الأول، أن يلتزموا أحكام الإسلام في الجملة. والشرط الثاني، أن يبذلوا الجزية.” وعليه، فالذمي “هو كلّ من يتدين بغير الإسلام، وصار من رعية الدولة الإسلامية وهو باق على تدينه بغير الإسلام”

والدليل على مشروعية عقد الذمة أدلة الأمان والمعاهدة، لأن الذمة في واقعها تفيد الأمان والعهد وإن اختلفت عنهما في بعض الأمور. ومن الأدلة التي نصت على ذكر الذمة خاصة، نذكر ما يلي: أخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا من قتلَ نفساً معاهدةً لهُ ذمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِ اللّهِ فقدْ اخفرَ بذمَّةِ اللّهِ فلا يرحْ رائحةَ الجنَّةِ وإنَّ رِيحها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خَريفا”. وأخرج ابن هشام في السيرة عن عمر مولى غَفْرَة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا”. وأخرج النسائي عن عَبْدِ اللّهِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً مِنْ أَهْلِ الذّمّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنّةِ وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاما”. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده، عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عن ذلك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيشد الله عز وجل قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم”.

أركان عقد الذّمة وشروطه

أولا : الأركان

1 . العاقد

اتفق العلماء على أنّ عقد الذمة لا يصح إلا من الإمام أو نائبه، “لأنها من المصالح العظام فتحتاج إلى نظر واجتهاد، فلا يصح عقدها من غيرهما”. قال ابن قدامة المقدسي (في المغني): ” ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو نائبه، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا، لأنّ ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأنّ عقد الذمة عقد مؤبّد، فلم يجز أن يُفتات به على الإمام، فإن فعله غير الإمام أو نائبه، لم يصح”.

  1. المعقود عليه

عقد الذمة هو عقد على منفعة بعوض. أما المنفعة فهي الإقامة الدائمة بدار الإسلام تحت حماية المسلمين. وأما العوض فهو جزية تؤدى في كل عام.

  1. الصيغة

تكون صيغة عقد الذمة إما بنص أو لفظ صريح يدل عليه، وهو لفظ العهد والعقد على وجه مخصوص، وإما بدلالة أو فعل يدل على قبول به. ومن الصور اللفظية للعقد أن يقول الإمام أو نائبه: “أقركم بدار الإسلام أو أذنت في إقامتكم بها على أن تبذلوا جزية وتنقادوا لحكم الإسلام”. ومن الصور الفعلية، أن تضرب الجزية على صبي كافر بلغ في دار الإسلام، أو إذا دخل حربي دار الإسلام بأمان “ينبغي للإمام أن يتقدم إليه فيضرب له مدة معلومة على حسب ما يقتضي رأيه، ويقول له: إن جاوزت المدة جعلتك من أهل الذمة. فإذا جاوزها صار ذميا، لأنه لما قال له ذلك فلم يخرج حتى مضت المدة فقد رضي بصيرورته ذميا”.

وتنعقد الذمة أيضا بإشارة أخرس مفهمة، أو بكتابة أو غير ذلك مما سبق بيانه في بحث الأمان، لأنّ عقد الذمة عقد كسائر العقود فيجري فيه ما يجري في سائره.

ثانيا: الشروط

أ. الجزية

الجزية هي مال مخصوص يؤخذ من غير المسلمين من أهل الذمة، أو هي “حق أوصل الله المسلمين إليه من الكفار، خضوعا منهم لحكم الإسلام”، أو هي “الوظيفة المأخوذة من الكافر، لأقامته بدار الإسلام في كل عام، وهي فعلة من جزى يجزي: إذا قضى (…) تقول العرب: جزيت ديني، إذا قضيته”. وقيل هي مأخوذة من الإجزاء، لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه.

والجزية شرط في الذّمة باتفاق أهل العلم. والدليل عليها قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. (التوبة29) وأخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: “فأمرنا نبينا، رسول ربنا صلى الله عليه وسلم: أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدّوا الجزية”. وأخرج مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “…فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم…”.

ويشترط عند العقد ذكر قدرها، وممن تؤخذ، ومتى تؤخذ.

ب. لمن تعقد الذّمة

تعقد الذّمة لكلّ الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، وهم لا وجود لهم في زمننا هذا. فقد انتهى وجودهم منذ السنة العاشرة من الهجرة.

والدليل على كون الذمة تعقد لكلّ الكفار، سواء أكانوا أهل كتاب، أم شيوعيين، أم هندوس أم غير ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم:”… إنيّ أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً واحدةً تَدِينُ لَهُمْ بهَا العربُ وتُؤَدّي إلَيْهِمُ الْعَجَمُ الجِزْيَةَ…”. (أخرجه الترمذي وأحمد عن ابن عباس) والعجم هم خلاف العرب، بغض النظر عن دينهم، فتشمل النصارى، واليهود، والمجوس وغيرهم. وأخرج مسلم عن سليمان ابن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. ثم قال: “اغزوا باسم الله. وفي سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال). فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم (…) فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم…”. وقوله صلى الله عليه وسلم “قاتلوا من كفر بالله” وقوله “عدوك من المشركين” تشمل كل الكفار سواء أكانوا أهل كتاب أم لا.

حقوق أهل الذمة

إن دخول غير المسلم في عقد الذمة يوجب على الدولة والمسلمين الوفاء بعهده وحسن معاملته، فيصبح من رعايا الدولة له ما للمسلمين وعليه وما عليهم، إلا ما استثناه الشارع من ذلك. وقد وردت أدلة كثيرة تحثّ على حسن معاملة الذمي وتبيّن حقوقه وما يجب له منها:

· قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. (الممتحنة 8)

· وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما”.

· وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا من قتلَ نفساً معاهدةً لهُ ذمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِ اللّهِ فقدْ اخفرَ بذمَّةِ اللّهِ فلا يرحْ رائحةَ الجنَّةِ وإنَّ رِيحها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خَريفا”.

· وأخرج أبو داود عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه [أي أخاصمه] يوم القيامة”.

· وروى مسلم أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض [أي من أهل الذمة المقرين بأرضهم على أداء الجزية] فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي؟! فقال: “أليست نفساً”.

· وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم وجد رجلا وهو على حمص يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية فقال ما هذا؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا”.

· وأخرج البيهقي في السنن عن العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال : نزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ومعه من معه من أصحابه وكان صاحب خيبر رجلا ماردا منكرا فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمارنا وتضربوا نساءنا فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا بن عوف اركب فرسك ثم ناد إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة قال فاجتمعوا ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام فقال: “أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله عز وجل لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر وإن الله عز وجل لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم”.

· وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تدخلوا بيوت أهل الذمة إلا بإذن”.

· وأخرج ابن زنجويه في الأموال: “وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته”.

· وأخرج أبو عبيد في الأموال: “كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها”.

· وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: “كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا عاد رجلا على غير الإسلام لم يجلس عنده، وقال: كيف أنت يا يهودي، كيف أنت يا نصراني، بدينه الذي هو عليه”.

شواهد من التاريخ

في تاريخ المسلمين شواهد كثيرة تدل على حسن معاملة دولة الخلافة لهل الذمة، منها:

· أخرج البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: “أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرا، أن يعرف لهم حقّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوؤوا الدار والإيمان، أن يقبل من محسنهم، ويعفى عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم”.

· ذكر ابن كثير (في البداية والنهاية): لما ولي أمير العدل عمر بن عبد العزيز أمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي يشكو الأمير العباس بن الوليد بن عبد الملك في ضيعة له أقطعها الوليد لحفيده العباس، فحكم له الخليفة بالضيعة، فردها عليه.

· وذكر أبو عبيد (في الأموال) أنه في خلافة معاوية نقض أهل بعلبك عهدهم مع المسلمين، وفي أيدي المسلمين رهائن من الروم، فامتنع المسلمون من قتلهم، ورأوا جميعا تخلية سبيلهم، وقالوا: “وفاء بغدر خير من غدر بغدر”.

· وذكر مثله عن الأوزاعي فقيه الشام حين أجلى الأمير صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس أهل ذمة من جبل لبنان، كتب إليه الأوزاعي: “فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} (النجم: 38)، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: “من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه” … فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حِلٍ من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة”.

· وذكر أبو يوسف (في الخراج): كتب علي بن أبي طالب إلى عماله على الخراج: “إذا قدمت عليهم فلا تبيعنّ لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك”.

· وذكر أيضا: كتب خالد بن الوليد لنصارى الحيرة: ” وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”.

· وروى ابن زنجويه أن عمر بن الخطاب رأى شيخا كبيرا من أهل الجزية يسأل الناس فقال: “ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير”.

· وذكر أبو عبيد (في الأموال) أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كتب إلى واليه عدي بن أرطأة: “وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه”.

من أقوال العلماء

هذه بعض النقول عن أهل العلم تدل على اعتنائهم بحق أهل الذمة:

· قال مالك (كما في التمهيد لابن عبد البر): “إذا زنى أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام؛ إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ويدخلوا عليهم الضرر؛ فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين”.

· وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني (في السير الكبير): “لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه أنه أجبر أحداً من أهل الذمة على الإسلام … وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً؛ مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه، وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام .. ولنا أنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين} (البقرة: 256)”.

· وقال أيضا: “قد بيَّنا أنّ المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل منعة فحالهم كحال أهل الذمّة في وجوب نصرتِهم على أمير المسلمين، ودفع الظلم عنهم؛ لأنّهم تحت ولايته…”.

· وقال الطحاوي (في اختلاف الفقهاء): “وأجمعوا على أنه ليس للإمام منع أهل الذمة من شرب الخمر وأكل لحم الخنازير واتخاذ المساكن التي صالحوا عليها، إذا كان مِصراً ليس فيه أهل إسلام”.

· وقال الماورديّ (في الأحكام السلطانية): “ويلتزم – أي الإمام – لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين”.

· وقال القرطبيّ (في تفسيره): “الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه”.

· وقال القرافي (في الفروق): “عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض احدهم، أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام، وكذلك حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة”.

الخلاصة

إنّ أهل الذمة في دولة الخلافة رعية لها كسائر الرعية، لهم حق الرعوية، وحق الحماية، وحق ضمان العيش، وحق المعاملة بالحسنى، وحق الرفق واللين، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف، وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام الحاكم والقاضي، وعند رعاية الشؤون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات، كما ينظر للمسلمين دون تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

12 رمضان 1428هـ