فقه المصالحة

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

الصلح “عقد يرفع النزاع بالتراضي وينعقد بالإيجاب والقبول”، أو هو ” عقد يتوصل به إلى التوفيق بين متنازعين في حق”، أو هو (كما في المغني لابن قدامة، ج1 ص1022) “معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين، ويتنوع أنواعا؛ صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} وقال الله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير}. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما” أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك، وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها، ولكل واحد منها باب يفرد له ويذكر فيه أحكامه”.

وأما مصطلح “فقه المصالحة” فهو من المصطلحات القديمة في مبناها والجديدة في معناها. فلفظ الفقه يفيد العلم بأحكام شرعية عملية مكتسبة من أدلة تفصيلية، ولفظ المصالحة يفيد عند الفقهاء ما يرادف المعاهدة والموادعة والمسالمة والمهادنة، كما يفيد لفظ المصالحة معنى الصلح المستمدّ من قوله تعالى: {والصلح خير}، ومعناه ترك بعض الحقّ لرفع نزاع. وأمّا الجدّة في استعمال بعض الناس اليوم لهذا المصطلح فتكمن في اقتباسه لمعالجة مشكلة حديثة تتعلّق بعلاقة حركة ما بسلطة ما. فالمراد إذن بالمصطلح التعبير عن رفع نزاع سياسي بين حركة (أو جهة معارضة) وسلطة.

أساس الصلح

الصلح المراد هنا، هو عقد بين طرفين متصارعين يتمّ بموجبه تنازل كلّ من الطرفين أو أحدهما عن حقّ من حقوقه، أو مطلب من مطالبه، أو موقف من مواقفه. والأصل في عقد الصلح أن يتمّ وفق رؤية معينة، سواء أكانت شرعية أم وضعية، إذ لا بدّ من أساس يستند الصلح إليه، فتتعيّن وفقه أركانه وشروطه وما يترتب عنه من التزامات. ولما كان الأصل في الأفعال، سواء بالنسبة للفرد أو الجماعة، التقيّد بالحكم الشرعي، فإن أساس الصلح هو الإسلام وما أقرّه من أحكام، وليس الدساتير الوضعية ولا المواثيق الوطنية. قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا}، وقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ” (رواه مسلم عن عائشة).

ثمّ إنّ الصلح لفضّ تنازع، وفضّ التنازع لا يكون إلا بالاحتكام إلى شرع الله تعالى. قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. قال الشيخ الطاهر بن عاشور (في التحرير والتنوير، ج5 ص99): “وضمير (تنازعتم) راجع للذين آمنوا فيشمل كل من يمكن بينهم التنازع، وهم من عدا الرسول، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين… ولفظ (شيء) نكرة متوغلة في الإبهام فهو في حيّز الشرط يفيد العموم أي في كل شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمة…”. وقال الشوكاني (في فتح القدير، ج1 ص481): “والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته وأما في حياته فالرد إليه سؤاله، هذا معنى الرد إليهما… قوله {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر…”.

المصالح عنه أو موضوع الصلح

لا مرية في أنّ مدلول الصلح، في قوله تعالى: {والصلح خير}، عام، فيشمل كلّ صلح بين متخاصمين، ولا جدال في خيريته المخبر عنها بالمصدر أو الصفة المشبّهة للتعبير عن منتهاها، فيكون المراد أنّ الصلح في ذاته خير. قال الكاساني (في بدائع الصنائع، ج6 ص40): “وصف الله تعالى جنس الصلح بالخيرية، ومعلوم أن الباطل لا يوصف بالخيرية، فكان كل صلح مشروعا بظاهر هذا النص إلا ما خص بدليل”.

والنظر في الصلح من حيث مشروعيته، وتعميمه على كلّ متخاصمين، لا يتأتى بمعزل عن واقعه الضابط لمدلوله الشرعي، والكاشف لما يجوز الصلح فيه وما لا يجوز. “وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحقّ” (كما في التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور، ج5 ص215)، ومن ذلك أنّ الشارع أجاز للزوجة مثلا التنازل عن حقّ لها، فيدخل في هذا جميع ما يحقّ لها من مال أو وطء أو غير ذلك، ويخرج منه جميع ما لا يحقّ لها، فلا تتنازل عن يوم هو لأختها أو عن نفقة هي لضرّتها. وأما الحركة، فهي وإن جاز لها إسقاط بعض الحقّ الذي لها كتنازلها عن اسمها مثلا أو تنازلها عن المتابعة القضائية لمن قتل أحد أعضائها أو تنازلها عن الحكم والترشح للانتخابات، إلا أنها لا تملك التنازل عن حقّ ليس لها، كحقوق الله تعالى المستثناة من الصلح فلا خيرية في إسقاط الحقّ فيها؛ فلا تملك الحركة مثلا التنازل عن إسقاط تطبيق الشريعة كلّها أو بعضها عند التراضي والمصالحة؛ لأنّ تطبيق الشريعة حقّ لله وليس للعباد. قال ابن القيم (في إعلام الموقعين، ج1 ص152): “والحقوق نوعان: حق الله وحق الآدمي، فحق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات والكفّارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها لا في إهمالها… وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها…”. وقال القرافي (في الفروق، ج1 ص256-257): “ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي نعني به حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه فهو الذي نعني بأنه حق الله تعالى، وقد يوجد حق الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات، فإن الله تعالى إنما حرمها صونا لمال العبد عليه، وصونا له عن الضياع بعقود الغرر والجهل، فلا يحصل المعقود عليه أو يحصل دنيا ونزرا حقيرا فيضيع المال، فحجر الرب تعالى برحمته على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه، وكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر وتضييعه من غير مصلحة، ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه، وكذلك تحريمه تعالى المسكرات صونا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرّم السرقة صونا لماله، والزنا صونا لنسبه، والقذف صونا لعرضه، والقتل والجرح صونا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه…”. وقال الكاساني (في بدائع الصنائع، ج6 ص48): “ولا يجوز الصلح عن حقوق الله تعالى عز شأنه لأن المصالح بالصلح متصرف في حق نفسه إما باستيفاء كل حقه أو باستيفاء البعض وإسقاط الباقي أو بالمعاوضة وكل ذلك لا يجوز في غير حقه”.

شروط الصلح

بيّن الإسلام فقه العقود بيانا وافيا كافيا، فحدّد ما يقيمه من أركان، وما يصلحه من شروط. والذي يعنينا في هذا السياق قوله صلى الله عليه وسلّم: “الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرّم حلالا أو أحلّ حراما” (رواه الترمذي وابن ماجه عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه)، وهو نصّ يفيد كون الصلح إذا أبرم يتقيّد فيه بالحلال والحرام، إذ إنّ خيرية الصلح لا تكون ذريعة إلى المعصية فيحرّم الحلال ويحلّ الحرام.

قال المازري (كما في مواهب الجليل للحطاب، ج7 ص6): “فأما تحليل الصلح للحرام فمن أمثلته كمن صالح على دار ادعاها بخمر أو خنزير أو غير ذلك مما لا تجوز المعاوضة به، وأما قوله: أو حرم حلالا فمن أمثلته أن يصالح عن هذه الدار التي ادعاها على أمة بشرط أن لا يطأها أو بثوب بشرط أن لا يلبسه أو لا يبيعه إلى غير ذلك من وجوه التحجير الممنوعة مع ما يدخل في هذا المعنى من تحريم المحلل”.

وقال ابن القيم (في إعلام الموقعين، ج1 ص153): “والصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال أو إحلال بضع حرام أو إرقاق حرّ أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل أو أكل ربا أو إسقاط واجب أو تعطيل حد أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك فكل هذا صلح جائر مردود…”.

وعليه، فالشروط التي لا تخالف الشرع جائزة ومعتبرة في العقود، وأمّا الشروط التي تخالف الشرع، كشرط علمنة الدّين وإبعاده عن المجتمع والدولة والسياسة، وكشرط التنازل عن تطبيق الشريعة، وكشرط إعطاء الكافر حق الحكم، فلا يقوم بها عقد شرعي ولا يجب الالتزام بها بل يحرم. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَا باَلُ رِجَالٍ يَشْتَرِطونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ. كُلّ شَرْط ليْسَ فِي كَتَابِ الله فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرطُ اللهِ أَوْثَقُ…” (رواه ابن ماجه وأحمد عن عائشة).

صلح الحديبية

يرى بعض الناس أنّ صلح الحديبية الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش يدعم قولهم بفقه المصالحة ويقرّ مبدأ التنازل الذي تبنوه لمعالجة المشكلة القائمة بين الحركة (أو جهة المعارضة) والسلطة. والحقيقة أنّ هذا الصلح لا يعتمد عليه في إثبات ما ذهبوا إليه، وذلك لأمرين:

الأمر الأوّل، هو أنّ صلح الحديبية عقده النبي صلى الله عليه وسلّم (سنة 6هـ)كحاكم استرعاه الشارع فمنحه حقّ إبرام العقود وإمضائها؛ فقد عقده صلى الله عليه وسلم بوصفه إمام المسلمين، فهو من قبيل التصرف بالإمامة. قال القرافي (في الفروق ج1 ص358)، وأقرّه الشيخ الطاهر بن عاشور (في المقاصد ص25-26): “وكل ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام؛ ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك”. وقال الشيخ الطاهر (في المقاصد ص27): “وقد يغلط بعض العلماء في بعض تصرفات رسول الله عليه الصلاة والسلام فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبت في سبب صدورها”. وعليه، فالقياس على صلح الحديبية غير صحيح.

أمّا الأمر الثاني، فقد أسس بعض الناس على صلح الحديبية ما أطلق عليه “إقرار مبدأ التنازل وسلوكه عمليا”. وهذا غير دقيق لأمرين:

أولهما، أنّ التنازل لا يكون عن بعض الإسلام، ولا يكون بعلمنة الدّين وحصره في الجانب الفردي دون المجتمع والدولة، ولا يكون بالتخلي عن مطلب تطبيق الشريعة، ولا يكون بتبني الأفكار التي ترضى عنها السلطة وإن خالفت النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة. والأصل في قراءة النصوص أن لا تتمّ بمعزل عن سياقها التشريعي، أو بمعزل عن بقية النصوص الأخرى، وإذا تدبرنا النصوص جميعها وقفنا على ضابط مسألة ما أطلق عليه “مبدأ التنازل”. قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وقال: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}، وقال:{وَإِنْ كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}. فالنبي صلى الله عليه وسلّم لم يتنازل عن بعض إسلامه في صلح الحديبية، ولم يتنازل عن حكم واحد من أحكام الإسلام، بل لم يكن الإسلام بعقيدته ونظامه وأحكامه محل البحث بله التنازل.

ثانيهما، أنّ سلوك الدولة غير سلوك الحركة أو الجماعة، والدليل عليه ما تواتر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي رفض أن يتنازل عن أي أمر أو مطلب لقريش قبل قيام الدولة. قال ابن هشام في السيرة: “واعترض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالكعبة – فيما بلغني – الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا : يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه. فأنزل الله تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، أي إن كنتم لا تعبدون الله، إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعا، ولي ديني”. قال الشيخ الطاهر (في التحرير والتنوير، ج15 ص580): “وبهذا يعلم الغرض الذي اشتملت عليه [سورة المقشقشة] وأنّه تأييسهم من أن يوافقهم في شيء مما هم عليه من الكفر بالقول الفصل المؤكد في الحال والاستقبال وأن دين الإسلام لا يخالط شيئا من دين الشرك”. وفي السيرة أيضا قوله صلى الله عليه وسلّم الرافض لمبدأ التنازل: “يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته”.

غاية الصلح

شرّع الصلح لغاية فضّ النزاع، ولغاية الإصلاح ومنع الفساد؛ “ولأنّ أحد المتنازعين على منكر، وإزالة المنكر واجبة إجماعا” (كما قال القرافي في الذخيرة، ج5 ص336). وهكذا هو كل صلح، فإنما المراد به الردّ إلى كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، قال القرطبي (في تفسيره): “{فأصلحوا بينهما} بالدعاء إلى كتاب الله لهما أو عليهما {فإن بغت إحداهما على الأخرى} تعدت ولم تجب إلى حكم الله وكتابه…”. فغاية الصلح إذن، إزالة المنكر، وفضّ النزاع بالرجوع إلى حكم الكتاب والسنة، وهذا هو الإصلاح والعدل. وأما إذا انحرف الصلح عن غايته الشرعية، فأصبح وسيلة لإحقاق الباطل وإبطال الحقّ، كأن يكون وسيلة لإقرار حكم الحاكم بالكفر والتخلي عن الحكم بالإسلام والتنازل عن الأحكام الشرعية الثابتة، فلا يتحقّق به حينئذ مقصود الشارع، ويعتبر من الباطل الذي لا يجوز إنفاذه والعمل به.

23 شعبان 1429هـ