في تطبيق الشريعة أو الشروط والممهدات الأساسية لتطبيق الشريعة الإسلامية

ترى بعض الجماعات الإسلامية أن الفرصة أضحت مناسبة لتطبيق الشريعة على الأقل في بلدان ما يعرف بالربيع العربي وذلك بعدما تم القضاء على رأس الاستبداد. ومن هذه الجماعات من لا تؤمن أصلا بالديمقراطية ولعلها تعتبرها خروجا عن الإسلام. وفي تونس تتهم بعض الجماعات الإسلامية حركة النهضة المشاركة في الحكم بخيانة مبادئها وخيانة الإسلام بعدما استلمت الحكم ولم تسع بالجهد المطلوب لإدراج فصل في الدستور ينص على أن الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع. فهل شرع الله يفرض فرضا على الناس حتى يطالب أي حزب إن هو وصل إلى السلطة أن يحكم بشرع الله ؟ أم أن هناك ممهدات لتطبيق الشريعة ؟ ثم ما هي شروط وممهدات تطبيق شريعة الله؟ ولضمان تيسير تطبيق الشريعة لا بد من توفر ثلاثة شروط على الأقل وهي : احتضان الدعوة ونشر فكرة صحيحة عن الإسلام وانتهاج التدرج في تطبيق الشريعة.

الشرط الأول : احتضان الدعوة
لا يمكن لأي شعب أو فئة أو طائفة أن تدين بدين إلا إذا آمنت به واحتضنته ودافعت عنه ونصرته. فرسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته في مكة ومكث فيهم سنين فحاربه أهلها (أو أصحاب الحل والعقد) فالتجأ إلى الطائف وعرض دعوته عليها فلم يؤمن أهلها بدعوته وآذوه. ثم عرض دعوته على أهل المدينة فآمنوا به ونصروه، وبذلك لقبوا بالأنصار، واحتضنوا الدعوة وتعهدوا بحمايتها ونصرتها وفدائها بأموالهم وأنفسهم والتزموا بتنفيذ أوامر الله وأوامر رسوله. وهو ما يعني أن الرسول لم يفرض شرع الله على الناس فرضا. قال الله تعالى “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” – “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” – “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. فالأنصار لم يجبروا على الإيمان بالدعوة ولا على نصرتها وإنما فعلوا ذلك بمحض إرادتهم وبعد تيقنهم وإيمانهم بصدقيتها. فإرادة التغيير هي عملية نفسية تنبع من داخل الإنسان وليس من خارجه بدءا بالإيمان والاقتناع ثم يتطور هذا الإيمان ليتحول إلى ممارسة وعمل يجسدان التطبيق والسعي إلى التطبيق لكل ما ورد في الشريعة الإسلامية. والرسل وأهل الحل والعقد ليسوا مطالبين بفرض شريعة الله على الناس فرضا إذا كانت الشعوب غير راغبة في ذلك. ولنا قي قصة النبي نوح خير دليل على ذلك. فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، بتعبير القرآن، وهو يدعوهم ومع ذلك لم يؤمنوا به ولم يستطع أن يقنعهم بتطبيق شرع الله. والإسلام لم يفرض عبر مراحل التاريخ على الناس فرضا. وإنما جاء تطبيقه نتيجة دخول الناس فيه طواعية. فالفتوحات الإسلامية لم تخض من أجل إدخال الناس في الإسلام وفرضه عليهم بالقوة وإنما من أجل إيصال الدعوة إلى الناس جميعا كما أمر الله. قال الله تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته” – “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”. فالغاية من تبليغ الدعوة إلى الناس هي الشهادة عليهم أمام الله لكي لا يكون لهم عذر أمام الله يوم القيامة. فالمستبدون والمستكبرون الذين يحكمون في الأرض بقوة الاستبداد تفطنوا منذ اليوم الأول للدعوة أن هذه الدعوة خطر عليهم وأنها إن تركوها تنتشر وتصل إلى كل الناس فسوف تألب رعاياهم عليهم لذلك حاربوها وأرسلوا الجيوش من أجل إخمادها قبل أن تنتشر ولأجل ذلك كانت الفتوحات سعيا لنشر الدعوة وفرض الحرية. فأعظم شيء قدمه الإسلام إذا للبشرية هو إشاعة الحرية بين الناس حتى يكونوا على بينة من أمرهم ويختاروا دينهم ومعتقدهم بكل حرية. فالدين الذي يأمر أتباعه بالجهاد من أجل نشر وفرض الحرية ليكون الناس أحرارا لا يناقض روحه ويستبد بهم ويفرض عليهم تعاليمه.
الشرط الثاني : استيعاب الإسلام
قبل أن يكون الإسلام تعاليما تفرض على الناس هو مطلب شعبي جماهيري لأنه إن لم يكن كذلك فلا يمكن أن يطبق لأن معظم تعاليم الإسلام موكول تطبيقها إلى الفرد المسلم وليس إلى الدولة. فالصلاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدقات وكثير من تعاليم الإسلام تطبيقات عملية موكولة إلى الفرد المسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” ، “والله لا يؤمن من بات شبعانا وجاره جائع” ، “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. هذه الأحاديث النبوية تدفع المؤمن إلى التشبث بدينه وإلى حرصه على تطبيق تعاليم الإسلام على نفسه. وإذا لم يسع المسلم، لأي سبب كان، إلى ممارسة معظم شعائر دينه فلا يمكن للحاكم أن يمارس هذه الشعائر عوضا عنه. فالشريعة لا تفرض من الحاكم على العامة وإنما تستوعب وتطبق من عامة الناس ودور الدولة يقتصر على الإشراف على وضع اللمسات الأخيرة لبرنامج تطبيق الإسلام. فلا يمكن لحاكم أن يحكم الشريعة في أناس غير مسلمين ولا يرغبون في تطبيق الإسلام لأنه في هذه الحالة سوف ينافقونه ويتظاهرون بتطبيق الإسلام. فالمطلوب من الجماعات الإسلامية والدعاة أن يسعوا بكل ما أوتوا من جهد لتقوية إيمان الناس حتى يتمكنوا من إقامة الإسلام على أنفسهم. وهذا ليس عملا هينا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من أحيا أمتي بعد فسادها فله أجر مئة شهيد”. ألا فليعلم كل الناس أن الإسلام عزيز ولا يقبل أن يطبقه الناس وهم له كارهون. فدين الله جاء لإصلاح أحوال الناس ولتلبية احتياجاتهم الروحية والمادية ولم يأت ليطبق على الكفار والمنافقين وأغلبية تكرهه. فالناس يعتنقون الإسلام عن حب وإن أخطأوا في غفلة من أمرهم وارتكبوا الفواحش استغفروا لذنوبهم وأقبلوا على الله بتوبة نصوح وطالبوا أولي الأمر من تطبيق حكم الله عليهم كما حدث مع الصحابي الذي جاء لرسول الله وقال له طهرني يا رسول الله وأقم علي الحد.

والإسلام لا يطبق بالغيلة والغدر كما يروج لذلك بعض الناس ويتهمون رموز الحركة الإسلامية بازدواجية الخطاب. فالله يريد من الناس أن يعبدوه عن علم وعن محبة لا عن جهل وعن غفلة وعلى إثر عملية تحيل وغدر من أولي الأمر. قال الله تعالى : “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” فإذا شاء الناس أن يكونوا كفارا فكيف سيطبقون الإسلام ؟

لقد حاول الاستبداد على مر السنين والعصور تشويه الإسلام بكل الطرق الممكنة حتى تمكن في الأخير من رسم صورة مشوهة عنه في أذهان الناس. فأغلب الناس يشهدون أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله ولكنهم لا يحملون الصورة الحقيقية للإسلام بل يحملون صورة مشوهة عنه. يتصورون أن الإسلام هو علاقة خاصة بين العبد وربه وليس منهج حياة أنزله الله لتنظيم حياة الناس وإدارة كل شؤونهم الدينية والدنيوية. قال الله تعالى “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” – “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما”. لذلك لابد من إزالة كل التشوهات التي لحقت بالإسلام قبل إي مطالبة بتطبيقه.

فعندما بعث الرسول وجد الناس يطوفون بالكعبة قائلين “لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك”. فبدأ يدعوهم إلى نبذ الشرك وإلى الإيمان بوحدانية الله. ولم يستطع تغيير قناعاتهم وسلوكياتهم وانتزاع الشرك من عقولهم إلا بعد جهد جهيد وبعد سنين طويلة من الدعوة والتوجيه والإصلاح. واليوم يلزم العلماء والدعاة وقت وزمن حتى يزيلوا كل الصور المشوهة للإسلام ويلزمهم وقت حتى يبينوا للناس ويقنعوهم بأن الإسلام ليس كما يظنون لا يتدخل في السياسة بل هو منهج حياة كامل. فلا بد من إيصال الصورة الحقيقية والمشرقة للإسلام قبل أي محاولة بالإسراع بتطبيق شريعة مازالت مشوهة في أذهان الناس.
الشرط الثالث : انتهاج التدرج عند تطبيق الشريعة
جبل الإنسان على قبول الأشياء واستيعابها بالتدرج ولذلك فرضت أحكام وتعاليم الإسلام بالتدرج. فحتى يتعلم الإنسان اختصاصا معينا فإنه قد يقضي عشرين سنة دراسة ثم يقضي سنة أو سنتين تربص في العمل لكي يتمكن من التأقلم مع الواقع الجديد ومن وضع النظريات موضع التطبيق، فما بالك باستيعاب دين ومنهج يشمل كل مناحي الحياة ويحمل تصور شامل عن الحياة والكون كله.

فمنظومة الكفر والشرك والاستبداد متشعبة ولا يمكن تفكيكها والقضاء عليها بمجرد الإطاحة برأس الاستبداد. فلقد درج الإنسان على سلوكيات مرضية في كل مناحي حياته مستمدة من منظومة الكفر والاستبداد حتى أضحت هذه السلوكيات جزءا منه ومن لا شعوره وأضحى لا يتصور أنه سيفارقها وأنه سيعيش بدونها. فيستطيع الإنسان أن ينطق في لحظة حاسمة من حياته بالشهادتين ولكنه لا يستطيع أن يتخلص من منظومة الشرك والابتعاد عن حقل انعكاسات هذه المنظومة إلا بعد فترة تأهيل تأهله لاستيعاب المنظومة الجديدة شيئا فشيئا. فالعناية الإلهية علمت أن في هذا الإنسان ضعفا ولا يمكن له أن يتخلص دفعة واحدة من منظومة تربى عليها منذ الصغر ولا أن يستوعب منظومة جديدة دون تدرج. ولذلك أنزل الله الإسلام وأحكام الإسلام بالتدرج.

بعض الدعاة يخالفون هذا الرأي بالقول أن الإسلام أنزل بالتدرج ولكن الذي بين أيدينا هو الإسلام الكامل في نسخته النهائية ولا بد من الالتزام به ولا مجال لإعادة التدرج عند محاولة تطبيقه. وهنا لا بد من التساؤل : هل الدين هو أحكام وتعاليم معروفة ومحددة أم هو منهج ونظرة فلسفية للحياة وطريقة تصور لمعالجة كل مستجدات حياة الإنسان ؟

منجي المازني

تونس