من عجائب سورة الكوثر

قال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (1) {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (2) {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (3).

نبدأ بملاحظات عابرة تتعلق بتناسبات صوتية وحرفية الهدف منها إشعار القارئ أن سورة الكوثر تخفي خلف كلماتها العشر أمورا كثيرة وكثيرة جدا:
كلمات السورة استنادا إلى الخط والرسم عشر:

{إِنَّا- أَعْطَيْنَاكَ- الْكَوْثَرَ- فَصَلِّ- لِرَبِّكَ- وَانْحَرْ-إِنَّ- شَانِئَكَ- هُوَ- الْأَبْتَرُ}

  • الآية الأولى نسيج حرفي مكون من حروف عشر-بدون اعتبار المكرر منها-:

ا-ن-ع-ط-ي-ك-ل-و-ث-ر.

  • الآية الثانية هي أيضا مبنية من عشر حروف-بدون اعتبار المكرر دائما-:

ص-ل-ر-ب-ك-و-ا-ن-ح.

-الآية الأخيرة –كما قد يتوقع القارئ-كأختيها أعني العدد نفسه باعتبار نوع الحرف لا أفراده:

ا-ن-ش-ك-ه-و-ل-ب-ت-ر.

ولعل إشارة أخرى تقلل من فرضية الصدفة وهي أن عدد الحروف التي لم تستعمل إلا مرة واحدة عشرة أيضا وهي:

ع-ط-ي-ث-ف-ص-ح-ش-ه-ت.

فلنقف عند هذا الحد دون أن نبني على ما ذكرنا شيئا فهذا المنهج لا يستهوينا في الحقيقة.

الجمل في سورة الكوثر:

لأهل اللغة تقسيمات كثيرة لأنواع الجملة في اللسان العربي لكن المثير للدهشة أن سورة الكوثر الكريمة قادرة على إعطاء مثال عن كل نوع ، وتزداد الدهشة أكثر عندما ندخل في الحسبان أن عدد جمل السورة أربعة فقط. ولكنها “الكوثر”: اسما ومسمى.

1- تنقسم الجمل عند أهل اللسان –عند أهل البيان منهم خاصة-إلى نوعين:

جمل خبرية وجمل انشائية. وإذا تدبرت سورة الكوثر وجدت فيها النوعين معا:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ.

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.

جملتان خبريتان.

فَصَلِّ لِرَبِّكَ.

وَانْحَرْ.

جملتان إنشائيتان طلبيتان .

2- تتعاقب الجمل في الكلام العربي وفق نظام الوصل والفصل وقد أفرد علماء المعاني هذا النظام بمبحث خاص سموه باب الوصل والفصل واعتبروه أم البلاغة وقلبها…. ويعنينا هنا أن سورة الكوثر قادرة على إعطاء مثالين للمفهومين:

فجملة “انحر” معطوفة بالواو على جارتها ” فَصَلِّ لِرَبِّكَ.” وهذا الوصل.

وهي منقطعة عن الجملة اللاحقة إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. وهذا الفصل.

3-يقسم أهل النحو الجملة العربية إلى قسمين: جمل اسمية وجمل فعلية.

وقد اشتملت السورة الكريمة على النوعين كما لا يخفى على أحد . والجمل التي ذكرناها عن الخبر والإنشاء تمثل باعتبار آخر الاسمية والفعلية.

استطراد -قد يكون نافعا-:

القسمة ثنائية عند الجمهور فالجمل عندهم إما فعلية وإما اسمية… وقد حاول بعض النحاة قديما وحديثا أن يزيد قسما ثالثا ولكن هذه الزيادة لم تكن مقنعة:

فالزمخشري اقترح نوعا ثالثا هي الجملة الشرطية لكنها لم يرتضها غيره.قال ابن هشام في المغني: وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية والصواب أنها من قبيل الفعلية.

وابن هشام نفسه اقترح في المغني نوعا ثالثا هو الجملة الظرفية لكنها لم تلق قبولا حسنا من الدسوقي، فقال في حاشيته على المغني: (قوله: إلى اسمية وفعلية وظرفية) هذا تقسيم أصلي للجملة ولكن في الحقيقة أن الظرفية ترجع لما قبلها من الاسمية والفعلية لأنك إما أن تقدر عامل الظرف كائن أو استقر.

والصواب مع الجمهور لأن النوعين الجديدين يمكن إرجاعهما إلى النوعين الأصلين وتقيل الأقسام مطلوب كما هو معلوم. فصح عندنا أن نقول إن سورة الكوثر احتوت نوعيا كل العربية.

4-يقسم أهل اللغة الجملة باعتبار بنيتها إلى قسمين: بسيطة ومركبة وقد يعتمدون اصطلاحا مغايرا- قريبا وليس مرادفا- فيقولون:جملة صغيرة وكبيرة. قال في المغني: الكبرى هي الاسمية التي خبرها جملة نحو” زيد قام أبوه” و”زيد أبوه قائم” والصغرى هي المبنية على المبتدأ كالجملة المخبر بها في المثالين.

ولك أن تعجب من سورة الكوثر فهي لم تقدم مثالا عن كل نوع فقط بل قدمت مثالا ثالثا لجملة تحتمل النوعين بحسب وجهة النظر:

  • إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ:جملة مركبة أو كبرى ف أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ جملة صغيرة في محل رفع خبر للجملة الأصلية.
  • فَصَلِّ لِرَبِّكَ.جملة تامة صغيرة فيها إسناد واحد.

أما جملة: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ….. فهي من المرونة بحيث تضعها حيث شئت: فلو اعتبرت “هو” ضمير فصل و”الأبتر” خبرا عن الشانئ فالجملة بسيطة لا محالة. ولو اعتبرت “هو” مبتدأ و”الأبتر” خبره ومجموعهما خبرا للشانئ فالجملة كبرى ضرورة. فلله در هذه السورة.

الضمائر في سورة الكوثر:

استوعبت سورة الكوثر كل أنواع الضمير في اللغة العربية دون أن تغفل الأحوال الإعرابية المختلفة وهذا من العجب العجاب لأننا نضع نصب أعيننا دائما أن عدد مفرداتها لا تتجاوز عدد أصابع الإنسان، وتفصيله:

1-الضمائر بارزة ومستترة:

فمن بارز الضمائر في السورة ما ظهر في فعل “أعطيناك”.

ومن مستترة ما كمن في فعل “صل “أو” انحر”.

2-الضمائر متصلة ومنفصلة:

ولك في جملة “أعطيناك” مثال على المتصل من الضمائر.

ولك في جملة هو الأبتر مثال آخر على الضمير المنفصل.

3-الضمائر في إحالتها على عناصر الخطاب تنقسم إلى ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب.

ولا تحتاج إلى غير سورة الكوثر للتمثيل:

-فضمير المتكلم حاضر في” أعطينا”.

-وضمير المخاطب في” أعطيناك” و”ربك” و”شانئك” صريحا، و في”صل” و”انحر”مقدرا.

-وضمير الغائب في “هو” صريحا وفي شانئ مقدرا، فتأمل هذه التناسبات اللطيفة.

4-باعتبار مقولة العدد:

جاء في السورة ضمير المفرد وضمير الجماعة. وقد اجتمعا في كلمة “أعطيناك”.

استطراد آخر-قد يكون مفيدا-:

قد يقال إن مقولة العدد في اللسان العربي ذات تمفصل ثلاثي وليس ثنائيا.. فأين ضمير المثنى في سورة الكوثر؟

جوابه من وجهين:

-ليس من شرطنا أن تحتوي السورة على كل أبواب النحو لتحصل المعجزة – فمقولة التأنيث مثلا لا حضور لها في السورة- بل يكفي أن تتعدد الأنواع والتقاسيم بصورة غير عادية، وما ذكرناه كاف إن شاء الله.

-“المثنى” في اللغة العربية باب قلق لا ينضبط … وكثيرا ما يعبر العرب بصيغة الجمع عنه، فيكون الجمع بديلا عن المثنى كما في كثير من اللغات الحالية.

وفي القرآن المبين أمثلة كثيرة منها:

  • {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (4) سورة التحريم. صدر الآية مثنى وليس كذلك عجزها.
  • {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } (19) سورة الحـج. رجع ضمير الجمع على مثنى.
  • {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } (38) سورة المائدة. حصلت المطابقة في المضاف إليه وما هي بحاصلة في المضاف.
  • {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } (9) سورة الحجرات. حصلت المطابقة في “بينهما” لكن بعد أن قال “اقتتلوا”.

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (11) سورة فصلت. فالحال صيغة جمع وصاحبها مثنى…..

خلاصة القاعدة أنك إذا عبرت عن المثنى بصيغة الجمع فتعبيرك صحيح.

5-الضمائر باعتبار محلها من الإعراب:

جاءت الضمائر في السورة متنوعة بحسب المحل الإعرابي:

-ضمير في محل رفع: (أعطيناك) الضمير الأول فيها فاعل مرفوع.

-ضمير في محل نصب: (أعطيناك) الضمير الثاني فيها مفعول به منصوب.

-ضمير في محل جر: (ربك) الكاف فيها مضاف إليه مجرور.

ومن لطائف السورة في هذا السياق أن الكلمات الدالة على الرب عز وجل ثلاث هي:

  • اسم إن.
  • فاعل أعطى.
  • الرب.

وجاءت على التوالي:

  • منصوب
  • مرفوع
  • مجرور.

وعلى نفس الترتيب الإعرابي جاءت الكلمات التي تدل على الرسول صلى الله عليه وسلم.

  • “كاف” أعطيناك منصوبة
  • “صل”الضمير المستتر مرفوع.
  • “كاف” ربك مجرور.

الأفعال في السورة:

لم يأت في السورة من الأفعال إلا ثلاثة: “أعطى”-“صلى”-“نحر”.

لكنها على قلتها مثلت من المقولات الصرفية والتركيبية عددا كبيرا:

1- الفعل الصحيح: نحر

2- الفعل المعتل: أعطى.

3- الفعل المضعف: صلى.

4- الفعل المجرد: نحر.

5- الفعل المزيد: أعطى.

6- الفعل اللازم: صلى.

7- الفعل المتعدي إلى مفعول واحد: نحر.

8- الفعل المتعدي إلى أكثر من مفعول: أعطى.

فلله درها من سورة…. والله أسال أن يعفو عما كان من خطأ أو تقصير…… وصلى الله على محمد صاحب الحوض والكوثر وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

مقتطف من بحث “عجائب القرآن في النحو والبيان”- عن منتدى أهل الحديث