قصص وعبر من تاريخ تونس الأغر (1) (قنصل فرنسا يقبّل يد الباي)

ياسين بن علي

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

العمل السياسي في كلمتين هو: رؤية وإرادة.

فالرؤية هي الفكرة والغاية والمشروع والموقف. وأمّا الإرادة فهي بتعبير العلماء “قوة يقصد بها الشيء دون الشيء” أو “هي نزوع النّفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه” فهي نيّة وعزيمة. والإرادة تتعلّق دائما بالمعدوم؛ فهي إذن نزوع النفس لتحقيق الرؤية مع تحمّل التبعات والمشقّات.

والغايات والمواقف لا تتحقّق إلّا بعزيمة صادقة، ونفس صابرة ثابتة، وصدق من قال:

وَإِذا كانَتَ النُّفُوسُ كِباراً … تَعِبَتْ فِي مُرادِها الأجْسامُ

وأمّا كثرة الحسابات، وتقديس تكتيك التوافقات والتنازلات في الكلّيات والجزئيات، فلا يحقّق عظيم الغايات، ولا يعود على صاحبه إلّا بالويلات والحسرات وبجمّ الخسارات، وصدق من قال:

إذا كانَ غيرُ الله للمرءِ عُدَّة … أتَتْه الرَّزايا من وجوه الفوائدِ

فقد جَرّتِ الحَنفاءُ حَتْفَ حُذيفَةٍ … وكان يراها عُدَّةً للشدائدِ

وإليك قصّة فيها عبرة لمن أراد أن يعتبر: ذكر أحمد بن أبي الضياف (في إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ج2 ص125-127) قصّة بيّن فيها سبب وقوع محاربة بين علي باشا باي (ت1756م) والفرنسيس ملخّصها: “أنّ العادة في تحية ملوك تونس أن يقبل الداخل يد الملك، من الوزراء فمن دونهم، إلا أهل المجلس الشرعي، ولكل قوم عاداتهم، حتى إن أعيان الرسل من الدولة العثمانية يفعلون ذلك… وكانت القناصل يحيّون ملوك تونس بالمصافحة، ويدخلون عليهم بأنعلتهم، حتى كانوا يتكلّفون الجلوس لملاقتهم في بيت لا بساط به. فأنف علي باشا من ذلك وقال: لكل بلد عادات تخصّها، ولا يباح للضيف ما لا يباح لرب البيت”.

اتّخذ علي باي موقفا، وأرسل لقنصل فرنسا يطلب منه الالتزام بالعادة أي تقبيل اليد وخلع النعل، “فامتنع معتذرا بأنه غير مأذون بذلك من سلطانه”، فأصرّ علي باي على موقفه؛ وهكذا نقض الصلح ونشبت حرب، وأرسلت فرنسا مراكبها الحربية ورمت بمدافعها، فأمر الباي بالدفاع عن البلاد ولم يغيّر موقفه… ثمّ توقفت الحرب لدخول فرنسا في حرب أخرى مع الانكليز وخشية الفرنسيس من تعدّد الجبهات، ولكن انتصر علي باي لثباته على موقفه، فامتثل قنصل فرنسا لعادات تونس. “وصارت القناصل يقبّلون يد ملك تونس، ويخلعون أنعلتهم إذا لاقوه في بيت ذي بساط، مثل الوزراء وأعيان المملكة وسائر رسل الدول الإسلامية، إلى أيام الباشا أبي النخبة مصطفى باي”.

ورحم الله الفقيه الأديب الشاعر محمد الورغي (ت1776م) القائل:

بين الظّبا والعوالي ترفع الرتب … ولا تُرى راحة ما لم يكن تعب

ومن تسامى لأمر عزّ مطلبه … ولم يقم غازيا لم يدنه الحسب

شتّان بين ثقيل الجنب منبطح … وضامر في لظى الهيجاء يضطرب

قد كابد السيّد الباشا فما قعدت … به الدواعي ولا أزرى به النّصب

واستسهل الصعب في تحصيل واجبه … حتى قضى في المعالي كل ما يجب  

22/01/2019م