قصص وعبر من تاريخ تونس الأغر (2) (الآن أصبحت طاعة الباي كفرًا)

ياسين بن علي

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ: “أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ – أَظُنُّهُ قَالَ: – أَوْثَقُ؟” قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ، وَالْحُبُّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللهِ».

فهذا المقياس في الولاء والبراء أو الموالاة والمعاداة هو المقياس الإسلامي الذي يحتاجه المسلم في تحديد مواقفه من الأنظمة والحكام، والناس بعامّة.

ومع الأسف، فقد تخلى كثير من الناس في زمننا عن هذا المقياس، وأصبحت المواقف عندهم لا تقاس بالمبادئ والقناعات، ولا تعرض على ميزان الشرع، وأصبح الولاء والبراء عندهم يخضع للأهواء والرغبات المبنية على المصلحة والمنفعة الشخصية دون تقيّد بأصول الدّين وأحكامه المبيّنة في الكتاب والسنّة النبوية.

أتحدث عن حالنا في هذا الزمان، وأما أجدادنا فقد كانوا على غير هذ الحال؛ فكانت غالبية الناس قبل تبدّل النظام تزن الأمور بميزان الإسلام وتقيس الأعمال بمقياس الحلال والحرام. وإليك أمثلة من التاريخ:

كانت القبائل في تونس (مثل: نفّات، جلاص، الفراشيش، الهمامة، أولاد عيار، المثاليث، أولاد سعيد، السواسي، أولاد عون وغيرهم) منقسمة، وبينها خلافات كبيرة ومنازعات كثيرة، ولكن في 12 ماي 1881م أمضى محمد الصادق باي معاهدة الحماية التي مكّنت فرنسا من احتلال تونس، فتجاوزت تلك القبائل خلافاتها ووحّدت صفوفها ونسّقت جهودها لتواجه العدو الموحّد ألا وهو فرنسا.

كان على رأس تلك القبائل المقاومة علي بن خليفة قايد نفّات (توفي رحمه الله سنة1884م)، وكان معروفا بولائه للعرش الحسيني، ولكنّه حينما تحقّق من إمضاء الباي على معاهدة باردو التي باع فيها البلاد لفرنسا النصرانية، وحينما بلغه نداء الباي للاستسلام وعدم مقاومة المحتل الكافر، قال كلمته المشهورة: “الآن أصبحت طاعة الباي كفرا”.

لم يكن مقياس الكفر والإيمان هو الدافع لعلى بن خليفة فقط بل كان الدافع لكلّ أطراف المقاومة التي عصت الباي وتمرّدت على أوامره. وهو ما نقف عليه في الشعر الشعبي الذي سجّل تلك المواقف.

ومثال ذلك قال أحد الشعراء الهمامة:

يا أمالي الخسرة … يا الي بعتوا دينكم بالكسرة

تبعتوا جنرال ابريار … كان خرتوا فينا العيطه للقهار

يا باي تونس نعزيك … في دين بدر تمامه

وخطاك واعواج كرسيك … ودخلت دين النصارى

ويقول:

يا سعد من جاهد نهار … في مخالفين الشريعه

يرتاح من عذاب النار … ورحمة الله وسيعه

كان مات ما يشوف الانكار … إلا جرح ماله وجيعه

كان عاش للخلق يزار … وتنال منه النفيعه

وقال علي بن عليّة القفصي

الباي جاير على الرعيّة ضاعت … ذهب مالها حتى الرقاب تباعت

أعطى الوطن للكفّار … الإسلام تحت الذلّ مغبونين

احنا قوتنا مرّار … الواحد غرق لرقبته بالدّين

فينا زهر طوفار … ضاقت خلوق التونسي لا وين

24/01/2019م