لماذا قتلت أمريكا “قاسم سليماني” قائد الحرس الثوري الإيراني؟

ياسين بن علي

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

في مقال سابق، بيّنت أنّ مقتل قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني كان رسالة أمريكية لإيران الغاية منها التأكيد على جدّية أمريكا في تحجيم الدور الإيراني في مناطق نفوذها التي سمح لها بالوجود فيها، وهي أفغانستان واليمن والعراق وسوريا ولبنان. وبما أنّ أمريكا هي الدّولة الفاعلة في المناطق المذكورة، فهي قادرة على رسم سيناريوهات متعدّدة، وقد كان بإمكانها التّكشير عن أنيابها وبيان جدّيتها في غايتها بعمل آخر لا يستهدف قتل سليماني بالذات، كقصف مواقع مليشيات الحشد الشعبي مثلا، ولكنّها آثرت هذا الخيار ورجّحته على سناريوهات أخرى رغم مخاطره، ورغم ما قد يثيره من مشاكل وقلاقل لإدارة ترامب داخليا وخارجيا. ولهذا وجب التوقف للنظر في الأهمّية الاستراتيجية لهذا العمل من خلال طرح السؤال التالي: لماذا اختارت أمريكا قتل قاسم سليماني؟

من هو قاسم سليماني؟

كان قاسم سليماني يوصف بأنه أقوى شخصية في الجمهورية الإسلامية، بعد المرشد الأعلى الإيراني.وبصفته قائد جيشه في الخارج، المعروف باسم “فيلق القدس”، كان سليماني العقل المدبر لأنشطة إيران في الشرق الأوسط، ووزير خارجيتها الفعلي، فيما يتعلق بشؤون الحرب والسلام.كذلك اعتُبر سليماني، على نطاق واسع، مهندس حرب الرئيس بشار الأسد، ضد الثوار في سوريا. والمسؤول عن صعود القوات شبه العسكرية الموالية لإيران في العراق، فضلاً عن القتال ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وغيرها من المعارك.كان القائد ذو الشعر الفضي، الذي يتمتع بشخصية آسرة ومراوغة، محلّ احترام البعض، وكراهية البعض الآخر، كما كان مادة للأساطير والمنشورات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي.وبرز سليماني، خلال السنوات الأخيرة من حياة كاملة قضاها في الظل، وهو يقود عمليات سرية ليحصد شهرة وشعبية كبيرة في إيران، ويصبح مادة للأفلام الوثائقية والتقارير الإخبارية وحتى أغاني البوب.ومنذ عام 2013، صرَّح ضابط الاستخبارات الأمريكية، جون ماغواير، لصحيفة نيويوركر بأن سليماني كان أقوى شخص في الشرق الأوسط”…” (https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50985604).

هل كان قتل سليماني عملا مدروسا؟

الأصل في الدول الكبرى أنها لا تتحرّك إلا وفق مخططات مدروسة، فهي تدرس الواقع وتحدّد الأهداف وتقوّم النتائج والسلبيات وتتوقّع ردود الفعل قبل شروع في العمل. ورغم ما يحوم من تساؤلات حول شخصية الرئيس ترامب وقدرته السياسية القيادية على التصرّف كرئيس دولة نافذة وفاعلة وقائدة في العالم، إلّا أنّه من الصعب أن يتّخذ ترامب قرارات مصيرية تتعلّق بالحرب دون أن تكون تلك القرارات مستندة إلى خطط واستراتيجيات، ومدعومة من مؤسسات الدولة المؤثّرة. وفيما يتعلّق بقرار تصفية سليماني فقد كانت إدارة ترامب تدرس الأمر منذ زمن؛ إذ سبق وأن أدرجت الخارجية الأمريكية في شهرأفريلمن السنة الماضية أي 2019م، قوات الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وفي الشهر ذاته “عقد معهد واشنطن [المقرّب من دائرة ترامب] اجتماعاً مغلقاً حول طاولة مستديرة لمناقشة التأثير المحتمل إذا لم يعد قائد «قوة القدس» التابعة لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني حياً. وناقش المشاركون، الخاضعون لقاعدة “تشاتام هاوس”، الطريقة التي يمكن أن تعمل بها الخلافة في «فيلق القدس» («قوة القدس») وما الذي ستخسره إيران إذا ما أصبح سليماني غير متاح بشكل دائم، وتوصلوا إلى توافق في الآراء حول العديد من القضايا الرئيسية” (عن مقال بصفحة معهد واشنطن بعنوان: هل يُعتبر مقتل سليماني ذا أهمية؟ النتائج من ورشة عمل عام 2019 لمايكل نايتس، بتاريخ 03/01/2020م).وبناء عليه نقول إنّ إدارة ترامب اتّخذت قرارا مدروسا مخططا له بعناية فائقة يقضي بتصفية سليماني تحديدا.

لماذا تمّت تصفية سليماني بالذات؟

بداءة نقول: إنّ أمريكا لا تريد الدخول في حرب مع إيران التي تسير في فلكها وقدّمت لها خدمات كبيرة في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها من البلدان، وقد “قال الرئيس دونالد ترامب إنّ الولايات المتحدة قتلت القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني لمنع قيام الحرب، وليس لإشعالها” (https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50989813). وأما إيران فقد أعلن وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، الأربعاء، انتهاء رد طهران على اغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.مؤكدا: “نحن لا نسعى للتصعيد أو الحرب” (عن القدس العربي). فالحرب غير واردة، وإنما سيجلس الطرفان للمفاوضة.

نعود لبحثنا وسؤالنا فنقول: الاجتماع المغلق الذي عقده معهد واشنطن توصّل إلى نتائج منها: “اتفق المشاركون في ورشة العمل على أن سليماني قد أصبح رصيداً استراتيجياً ذا قيمة كبيرة للحكومة الإيرانية التي يهيمن عليها «الحرس الثوري» الإيراني بسبب المزيجة الفريدة لسليماني”،فهو “محور التنسيق… مخولاً لقيادة نهج الحكومة الإيرانية بالكامل في التعامل مع التدخل الإقليمي، وذلك بمساعدة تقاربه مع خامنئي، وديناميته الشخصية، وأقدميته (في تاريخ الترقية) على قادة «الحرس الثوري» الإيراني الآخرين. ونتيجة لذلك، كان بإمكانه سحب قوات من «الحرس الثوري» والجيش التقليدي (“أرتش”) [وتوجيهها] نحو عمليات مشتركة فعّالة لم يسبق لها مثيل. وكان أيضاً محاوراً رفيع المستوى لإيران مع شركاء عراقيين ولبنانيين وروس وسوريين”. وهو “رمز ظاهر لقوة «الحرس الثوري» الإيراني” (ينظر المصدر السابق). إذا، سليماني يمثّل عقل إيران التّوسعي المخطّط ويدها المنفّذة، وهو أجنحتها التي تحلّق بها خارج مجالها في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، وهو رمز التوسّع الإيراني الخارجي، فكان قتله معبّرا أبلغ تعبير عن رغبة أمريكا وإرادتها في تحجيم دور إيران التوسّعي خارج أرضها وفق خطّة أمريكا الجديدة التي قد نتعرّض لبيانها ملامحها في مقال آخر بإذن الله تعالى.

تعديل النّظام أم تغييره؟

تصفية سليماني لا تدلّ فقط على دلالة رمزية معبّرة مفادها تحجيم دور إيران الخارجي وكبت طموحها التوسعي الذي أصبح ينافس أمريكا نفسهابل لهذه التصفية المدروسة المخطط لها أبعادها وآثارها الداخلية في خضم الصراع المحتدم في داخل إيران حول خلافة المرشد الأعلى.

فقد أعلن ترامب بعد عملية تصفية سليماني أنّه “لا يريد الحرب ولا تغيير النظام في إيران”. فالموقف الأمريكي الذي أعلنه ترامب من قبل حول النظام الإيراني لم يتغيّر، بمعنى أنّ أمريكا لا تسعى إلى تغيير نظام الملالي الإيراني، ولكنّها تسعى إلى “تعديله” أي الدفع بالنظام في صراع داخلي ليفرز جبهة معتدلة. فمن المعلوم، أنّ إيران تشهد صراعا داخليا بين تيارين: يسمّى الأوّل بالمتشدّد ويمثّله مرشد الثورة علي خامنئي، ويسمّى الثاني بالمعتدل ويمثّله الرئيس حسن روحاني. والحسم في نتيجة المسار الذي ستسلكه إيران بات قاب قوسين أو أدنى وهو مرتبط بمسألة خلافة خامنئي. فمرشد الثورة البالغ من العمر 80 سنة والذي يعاني من مرض عضال، قربت نهايته، الأمر الذي أوجد خلافات وصراعات حول خليفته. ولا شكّ أن خامنئي قد أدرك هذا وأعدّ له العدّة، فكان يريد الاطمئنان على مسار خلافته بإبعاد بعض الشخصيات المحسوبة على تيار الاعتدال كصادق لاريجاني، وبدعم وترشيح من يثق في سيره على خطّه ونهجه كإبراهيم رئيسي (رئيس الجهاز القضائي ومجلس خبراء القيادة)، مدعوما بقوّة تحميه وتسنده وهو الحرس الثوري الذي يضمّ قائدا مؤثّرارمزا يحفظ وحدة الجهاز ويفرض هيبته على الجميع وهو قاسم سليماني المقرّب من المرشد.ولا شكّ أيضا أن أمريكا تدرك هذا، فمراكز بحثها المتعدّدة منشغلة منذ زمن بدراسة ملف خلافة المرشد. وإذا كان خامنئي قد راهن على سليماني كقوّة ضاربة تدعم خليفته واستمرار نهجه، فإنّ أمريكا تراهن على تصفيته كعامل فعّال سيخلط الأوراق من جديد، وسيضعف دور الحرس الثوري والجهة المتشدّدة، وسيذكي نار الصراع داخل أجهزة السلطة وصناع القرار في إيران. وبعبارة أخرى، فإنّ أمريكا تراهن على تصفيته لترجيح كفّة التيّار المعتدل؛ فتنجح في تعديل النظام بما أنّها لا تريد تغييره.

15/05/1441هـ