التسعير مظلمة

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

التسعير هو: “أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولى من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة”. (1)

وقد اختلف العلماء في حكم التسعير، فذهب الجمهور إلى حرمته مطلقا، وذهب مالك في رواية عنه إلى جوازه (2)، وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه مع تفصيل، وفي هذا يقول ابن القيم: “وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز؛ فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب”. (3)

والراجح حرمة التسعير مطلقا. عن أنس قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الله هو المسعّر القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال” (رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان، وقال الحافظ في التلخيص صحيح على شرط مسلم، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح).

هذا الحديث الصحيح هو عمدتنا في القول بتحريم التسعير مطلقا، ووجه الدلالة فيه على التحريم أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض التسعير مع أن القوم قد سألوه أن يفعل، وعلل الامتناع عنه بكونه مظلمة. وقد جاء النهي عن التسعير مطلقا، ولم يرد ما يخصص هذا النهي أو يقيّده بالقوت أو بغيره، فيكون تحريمه عاما يشمل كل شيء. 

شبهات وردّها

يقول بعض الناس أن التسعير جائز في حالة الغلاء الفاحش الذي يضر بالناس، فهو مصلحة عامة تقتضيها رعاية الشؤون. والجواب، أن هذا الكلام مردود بنص الحديث بل هو يخالف الحديث، ولسنا ندري كيف ساغ لبعض الفضلاء القول به؟

ثم إنّ الغلاء لا يعالج بالتسعير، أي لا يعالج الظلم بمظلمة؛ فإذا جعلنا ثمن الخروف مثلا مائة دينار، فماذا نفعل بالتاجر الذي اشتراه بمائة دينار، فإننا نظلمه بمنعه الربح الذي أجازه الشرع. قال الشوكاني رحمه الله: “ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض}، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء”. (4)

والأصل في الدولة إذا كانت حقا راعية لشؤون العباد بما شرّع الله سبحانه أن تعالج مشكلة الغلاء التي تنشأ عادة عن الاحتكار أو الندرة بتوفير السلع وجلبها وعرضها في الأسواق بأسعار مناسبة. وهذا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ أرسل يجلب السلع عام المجاعة ولم يسعر على الناس. فعن زيد بن أسلم عن أبيه أسلم : أنه لما كان عام الرمدات و أجدبت ببلاد الأرض كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص من عبد الله أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص لعمري ما تنالي إذا سمنت ومن قبلك أن أعجف أنا ومن قبلي و يا غوثاه فكتب عمرو : سلام أما بعد لبيك لبيك أتتك عير أولها عندك و آخرها عندي مع أني أرجو أن أجد سبيلا أن أحمل في البحر ….” (رواه ابن خزيمة في صحيحه).

ويقول بعض الفقهاء: “وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطه من القيمة فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند الجمهور، وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل لا بما يريد من الثمن، وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير”. (5)

والجواب، أن هذه المصلحة التي خصص بها حديث النهي عن التسعير لم تكن مقصودة للشارع، ولو كانت مقصودة له لبينها النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله الناس أن يسعّر؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ويقول بعض الفقهاء أن حديث أنس في التسعير واقعة حال. والجواب أن العبرة بالخطاب وليس بالواقعة أو الحادثة أو السؤال، فإن أتى النص بصيغة العموم، فإنه يكون عاما ولا يختص بتلك الواقعة. والظاهر أن الحديث كما فهم الجمهور عام يدل على حرمة التسعير مطلقا، ويدلك على هذا اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم للتسعير مظلمة من مظالم المال.

وعليه، فإن التسعير لا يجوز مطلقا، وعلى الدولة أن تدع الناس تبيع كيف تشاء، ويرزق بعضهم من بعض، إلا أن عليها من باب رعاية الشؤون والنظر في مصالح الناس أن تتدخل في الغلاء بجلب السلع وتكثير العرض، فمتى كثر العرض قلّ السعر.

_____________

(1) ينظر (نيل الأوطار)، للشوكاني، ج5 ص308

(2) ينظر (المنتقى شرح الموطأ)، للباجي، ج5 ص18

(3) ينظر (الطرق الحكمية)، ص355

(4) ينظر (نيل الأوطار)، للشوكاني، ج5 ص308

(5) ينظر (الطرق الحكمية)، ص375