مفهوم الردّة عند الشيخ الطاهر ابن عاشور

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

ما هي الردّة عند الشيخ الطاهر؟

قال الشيخ الطاهر ابن عاشور: “صار اسم الردة لقبا شرعيا على الخروج من دين الإسلام وإن لم يكن في هذا الخروج رجوع إلى دين كان عليه هذا الخارج” (التحرير والتنوير، م2 ص333).

وقال: “واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور المسلمين، والخروج من العقيدة وترك أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة، ويدل على خروج المسلم من الإسلام تصريحه به بإقراره نصا أو ضمنا, فالنص ظاهر، والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا عن كافر مثل السجود للصنم، والتردد إلى الكنائس بحالة أصحاب دينها. وألحقوا بذلك إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، أي ما كان العلم به ضروريا قال ابن راشد في «الفائق» «في التكفير بإنكار المعلوم ضرورة خلاف» . وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف” (التحرير والتنوير، م2 ص336).

دوافع الردّة عند الشيخ الطاهر؟

قال الشيخ الطاهر في تفسير قوله تعالى {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة/217]: ” اعتراض ثان، أو عطف على الاعتراض الذي قبله، والمقصد منه التحذير، لأنه لما ذكر حرص المشركين على رد المسلمين عن الإسلام وعقبه باستبعاد أن يصدر ذلك من المسلمين، أعقبه بالتحذير منه، وجيء بصيغة يرتدد وهي صيغة مطاوعة إشارة إلى أن رجوعهم عن الإسلام إن قدر حصوله لا يكون إلا عن محاولة من المشركين فإن من ذاق حلاوة الإيمان لا يسهل عليه رجوعه عنه ومن عرف الحق لا يرجع عنه إلا بعناء…” (التحرير والتنوير، م2 ص332).

ما هو حكم المرتدّ؟

قال الشيخ الطاهر في تفسير قوله تعالى {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة/217]: “وحبط الأعمال: زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعا، فيشمل آثارها في الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله: في الدنيا والآخرة… فقد ترتب على الكفر أمران: بطلان فضل الأعمال السالفة، والعقوبة بالخلود في النار… هذا وقد رتب حبط الأعمال على مجموع أمرين الارتداد والموت على الكفر… وقد أشار العطف في قوله: فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية [تنفذها الدولة]، فتكون الآية بها دليلا على وجوب قتل المرتد. وقد اختلف في ذلك علماء الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قتل كافرا وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء كان رجلا أو امرأة، وقال أبو حنيفة في الرجل مثل قولهم، ولم ير قتل المرتدة بل قال تسترق، وقال أصحابه تحبس حتى تسلم، وقال أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمرو وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي يقتل المرتد ولا يستتاب، وقيل يستتاب شهرا…” (التحرير والتنوير، م2 ص332-335).

رأي الشيخ الطاهر في الحكمة من تنفيذ الدولة الحد على المرتدّ؟

قال الشيخ الطاهر: “وحكمة تشريع قتل المرتد- مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل- أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضا تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئا زاجرا مثل توقع الموت، فلذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه…” (التحرير والتنوير، م2 ص336).

وقال: “وحكمة ذلك أن الداخل في الإسلام انخرط في سلكه طائعا وصار جزءا من ذلك الكل فكان دخوله في الدين عهدا يحقّ الوفاء به فإذا نقضه صار مثالا سيئا يجب على امته أن تطهر نفسها من وجوده لئلا ينفرط عقد الجامعة بالانسلال منه، ولئلا يتهاون الداخل في الإسلام بأن يدخله تجربة فإن وافق أهواء أعماله استمر فيه وإلا انخزل عنه، ولئلا يوهم ضعاف العقول بانخزاله أنه جرب الدين فوجده غير مرضي، ولئلا يكون الدخول في الدين من ذرائع التجسس على الأمة” (أصول النظام الاجتماعي، ص172).

هل تشمل حرّية الاعتقاد عند الشيخ الطاهر الردة؟ 

قال الشيخ الطاهر: “أما حرية اعتقاد المسلم فهي محدودة له بما جاء به الدين الإسلامي مما تتكون جامعة المسلمين بالاتفاق على أصوله… فإذا ارتد أحد عن الإسلام جملة بعد أن كان من أهل الملة فقد نقض العهد الذي دخل به في الإسلام فيستتاب ثلاثة أيام فإن لم يتب قتل تطهيرا للجامعة من عروق الأدواء المهلكة…” (أصول النظام الاجتماعي، ص171).

وقال: “وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] على القول بأنها غير منسوخة، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام” (التحرير والتنوير، م2 ص336-337).

ما هو المقصد من تنفيذ العقوبات عند الشيخ الطاهر ومن ينفذها؟

قال الشيخ الطاهر: “لقد بيّنتُ في مبحث “الشريعة ليست بنكاية”، أن جميع تصرّفاتها تحوم حول إصلاح حال الأمة في سائر أحوالها. وأجملت القول هنالك بأن الزواجر والعقوبات والحدود ما هي إلا إصلاحٌ لحال الناس. ويجب أن نبسط القول هنا في مقصد الشريعة من العقوبات، من قصاص وحدود وتعزير؛ وذلك أن من أكبر مقاصد الشريعة حفظ نظام الأمة، وليس يُحفظ نظامها إلا بسدّ ثلمات الهرج والفتن والاعتداء. وأن ذلك لا يكون واقعاً موقعَه إلا إذا تولته الشريعة ونفذته الحكومة، وإلّا لم يزدد الناسُ بدفع الشر إلا شراً…” (مقاصد الشريعة، ص515).