مفهوم السنّة

ياسين بن علي

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

1. السّنة في اللّغة

جاء في لسان العرب لابن منظور : ” والسّنة: السيرة، حسنة كانت أَو قبيحة؛ قال خالد بن عُتْبة الهذلي:

فلا تَجْزَعَنْ من سِيرةٍ أَنتَ سِرْتَها … فأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً من يَسِيرُها

وسَنَنْتُها سَنّاً واسْتَنَنْتُها: سِرْتُها، وسَنَنْتُ لكم سُنَّةً فاتبعوها… وكل من ابتدأَ أَمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سَنَّه؛ قال نُصَيْبٌ:

كأَني سَنَنتُ الحُبَّ، أَوَّلَ عاشِقٍ … من الناسِ، إِذ أَحْبَبْتُ من بَيْنِهم وَحْدِي

… وامْضِ على سَنَنِك أَي وَجْهك وقَصْدك. وللطريق سَنَنٌ أَيضاً، وسَنَنُ الطريق وسُنَنُه وسِنَنُه وسُنُنُه: نَهْجُه. يقال: خَدَعَك سَنَنُ الطريق وسُنَّتُه. والسّنة أَيضاً: سُنَّة الوجه. وقال اللحياني: تَرَك فلانٌ لك سَنَنَ الطريق وسُنَنَه وسِنَنَه أَي جِهَتَه؛ قال ابن سيده: ولا أَعرف سِنَناً عن غير اللحياني. شمر: السّنة في الأَصل سُنَّة الطريق، وهو طريق سَنَّه أَوائل الناس فصارَ مَسْلَكاً لمن بعدهم…”.

وجاء في أساس البلاغة للزمخشري :”.. وألزم سنن الطريق: قصده… ومن المجاز: … سنّ الأمير رعيّته: أحسن سياستها… وسنّ الله على يدي فلان قضاء حاجتي: أجراه…وجاء بالحديث على سنَنه:على وجهه… واستنّت الطرق: وضحت…”.

2 . السّنة في القرآن الكريم

وردت كلمة السّنة في كلام الله عزّ وجل في مواضع كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}. (الإسراء 77) وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.(آل عمران137) وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ..}. (النساء 26)

والسّنة في الآية الأولى، بمعنى العادة. قال ابن كثير في تفسيره: “أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم”. والسنن في الآية الثانية، جمع سنّة وهي بمعنى أمّة وقيل السنن بمعنى الطرائق والسير. وفي الآية الثالثة، السنن بمعنى الطرق والمناهج.

والملاحظ، أنه بالرغم من ورود كلمة “السّنة” في كلام الله تعالى في مواضع كثيرة، إلاّ أنّها لم تضف إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أيّ موضع من مواضع ورودها، فقد جاءت الكلمة بمعانيها التي وضعها العرب لها، مطلقة حينا ومضافة حينا آخر، لكن إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم.

3. السّنة في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم

باستقراء نصوص الحديث النبوي، يتبيّن لنا أنّ الكلمة تطلق ويراد بها ما يلي من معان:

  • ما يقابل القرآن مما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً…» (مسلم). وعن زيد بن وهب سمعت حذيفة يقول حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، وَنَزَلَ القُرْآنُ فَقَرَءُوا القُرْآنَ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» (البخاري). وعن أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» (رواه الحاكم في المستدرك). 
  • ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من واجب أو مندوب أو مباح. عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه مسلم).  
  • ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من العلم، والعمل، والهدى وتطبيق الشّرع. عن العرباض بن سارية قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (أبو داود).
  • المثال المتّبع والطريقة المسلوكة خيرا كانت أم شرّا. عن ابنِ جرِيرِ بنِ عبدِ الله عن أَبِيِه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنّ سُنّةَ خَيْرٍ فَأُتْبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنّ سُنّةَ شَرٍ فَأُتْبِعَ عَلَيْهَا، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً» (رواه مسلم). وعن أبِي سعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: قال رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَب لاتّبَعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ اليهود وَالنّصَارَى؟ قَالَ فَمَنْ؟» (رواه مسلم والبخاري).
  • العادة. عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (رواه البخاري).
  • ما يقابل البدعة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لِبلالِ بنِ الحارِثِ: «اعْلَمْ. قالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ إِنّهُ مَنْ أَحْيَا سُنّةً مِنْ سُنّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فإن لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ منْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْئاً.. وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ لاَ ترضى الله ورسوله كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ ينْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَار النّاسِ شَيْئا» (رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ).  وعن العرباض بن سارية قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (أبو داود).

4. السنة في أقوال الصحابة (رضوان الله عليهم)

الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، هم الذين عاشروا النّبي صلى الله عليه وسلم وصحبوه في حلّه وترحاله، وسمعوا أقواله وشهدوا أفعاله، وفهموا منه الدّين، ووعوا على يديه الشرع. وباستقراء ما ورد عن الصحابة من آثار يتبيّن أنّ السنة عندهم تعني ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو قاله، من ذلك:

أخرج الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: “من السنة أن يخفي التشهد”.

وأخرج أيضا عن علي بن أبي طالب قال: “من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج”.

وأخرج أبو داود عن طَلْحَةِ بنِ عَبْدِ الله: “صَلّيْتُ مَع ابنِ عَبّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فقالَ إنّهَا مِنَ السّنّةِ”.

وفي صحيح البخاري: قال ابن عباس: “من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج”.

وفي صحيح مسلم: عن أبي الزّبَيْرِ أنّه سمِع طَاوُساً يقول: “قُلْنَا لاِبنِ عَبّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ. فقال: هِي السّنّةُ. فقلنا له: إِنّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنّةُ نَبِيّكَ r”.

وأخرج الترمذي عن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: “اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ. فَقَالَ السّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمّ قَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ اثِنْتَانِ، ثُمّ سَكَتَ سَاعَةً، فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ ثَلاَثٌ، ثُمّ رَجَعَ، فَقَالَ عُمرُ لِلبَوّابِ: مَا صَنَعَ؟ قالَ رَجَعَ، قَالَ عَلَىّ بِهِ. فَلَمّا جَاءَهُ قَالَ مَا هَذَا الّذِي صَنَعْتَ، قَالَ: السّنّةَ. قَالَ: السّنّةُ؟ وَالله لَتَأْتِيَنّي عَلَى هَذَا بِبُرْهَانٍ أو بَيّنةٍ أَوْ لأَفْعَلَنّ بِكَ، قَالَ فَأَتَانَا وَنَحْنُ رُفْقَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَلَسْتُمْ أَعْلَمَ النّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الاسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِن أَذِنَ لَكَ وإِلاّ فَارْجِعْ؟ فَجَعَلَ القَوْمُ يُمَازِحُونَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيد:ٍ ثُمّ رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَيْهِ فَقَلْتُ مَا أَصَابَكَ فِي هَذَا مِنَ العُقُوبَةِ فَأَنَا شَرِيكُكَ قَالَ فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا”. 

5. السّنة في الاصطلاح

الاصطلاح أو العرف الخاصّ، هو اتفاق طائفة مخصوصة على جعل المعيّن يطلق عليه اسم معين. ولمّا انفصلت العلوم الإسلامية عن بعضها واستقلّت، تواضع أهل كلّ علم من العلوم على أسماء معيّنة لأمور معيّنة. وقد يحصل أن تتفق العلوم على استعمال كلمة، لكنّها تختلف في المعنى المراد بها، ككلمة الصحابة التي تعني عند المحدثين غير ما تعنيه عند الأصوليين. فإذا حصل هذا، فلا حجر فيه ولا تضييق، ويكون المفهوم من اصطلاح كلّ فريق ما اصطلحوا عليه دون سواه.

فلا عجب إذن، أن تتعدد مفاهيم السّنة وقد تعدّدت العلوم واستقلّت بنفسها، وتباينت أغراضها من البحث والدراسة، ولا عجب أن نرى المحدّث مثلا، يعني بالسّنة غير ما يعنيه الأصولي والفقيه؛ لأنّ غرضه منها غير غرضهما.

1 . السّنة عند المحدّثين

وهم الذين اعتنوا بنقل كلّ ما يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم من سيرة، ومن خلق، ومن شمائل، وأخبار، وأقوال وأفعال. والسّنة عندهم هي: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية أو سيرة، سواء أكانت قبل البعثة أم بعدها. وأضاف بعضهم على ما ذكر، أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم.

2 . السّنة عند الأصوليين

وهم الذين اعتنوا في أبحاثهم برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث هو مشرّع الأحكام، وواضع القواعد للمجتهدين، ومبيّن التنزيل للناس. 

والمقصود بالسّنة عندهم، ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير، فيجعلونها خاصّة بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون فيها الصفة؛ لأنها لا تفيد التّشريع، ولا تراعى حال الاستنباط.

3 . السّنة عند الفقهاء

وهم الذين اعتنوا في أبحاثهم بدلالة أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته على الأحكام الشرعية المتعلّقة بالأفعال. وقد اصطلحوا على إطلاق كلمة السّنة على ما طلب فعله من غير جزم أو على ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. فقيل في تعريفها عندهم: ” السّنة هي الطريقة المسلوكة من غير افتراض ولا وجوب”، وقيل “هي ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ولم يدل دليل من الكتاب على وجوبه”.  وعليه، فالسّنة عند الفقهاء ترادف المندوب أو المستحب أو النافلة أو الرغيبة.

4 . السّنة عند علماء التوحيد

وهم طائفة من الأمّة أفزعها ظهور علم الكلام بين المسلمين، وذيوع المنهج المنطقي في العقيدة، وبروز مقالات لفرق لها توجّهاتها الفكرية والسياسية، فهبت تدافع عن العقائد الإسلامية وتنشر فهمها لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. وقد أطلقت هذه الطائفة اسم السّنة على مقالاتها في العقيدة وبعض المسائل الأخرى. وممن نبّه إلى هذا التخصيص ابن رجب الحنبلي (المتوفى سنة 795 هـ)، قال: “وكثير من العلماء المتأخرين يخصّ اسم السّنة بما يتعلّق بالعقائد”. (أنظر كتاب جامع العلوم والحكم ص 230)

هذا، وتطلق السّنة أيضا، عند أهل العلم قاطبة، على ما يقابل البدعة. فيقال فلان على سنة، إذا عمل على وفق عمل النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقال فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف عمل النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه قول الفقهاء طلاق سنّة وطلاق بدعة، وقول علماء التوحيد عقيدة أهل السّنة وعقيدة أهل البدعة.