نقض أصول الشيعة الإمامية (3)

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

(مسألة العصمة)

قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: “إنّنا نعتقد أنّ الإمام كالنبي يجب أن يتّسم بالعصمة من كل ذنب وخطأ…”.(1)

وقال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: “ويشترطون أن يكون معصوما كالنبي عن الخطأ والخطيئة، وإلا لزالت الثقة به، وكريمة قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} صريحة في لزوم العصمة في الإمام لمن تدبرها جيدا. وأن يكون أفضل أهل زمانه في كل فضيلة، وأعلمهم بكل علم، لأن الغرض منه تكميل البشر، وتزكية النفوس وتهذيبها بالعلم والعمل الصالح…”.(2) 

وقال الشيخ محمد رضا المظفر: “ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنّ الطفولة إلى الموت، عمدا وسهوا. كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان، لأنّ الأئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق…”.(3)

والعصمة هي “لطف يفعله الله تعالى بالمكلّف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليهما”(4)، أو هي “التنزّه عن الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان”.(5)

وأمّا الأدلة على أصل العصمة، فيقول أسعد وحيد القاسم: “وأهم ما يستدل به الشيعة على مبدأ العصمة من آيات الكتاب ما يلي:

 أ – قوله تعالى : {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة/124]. فالآية الكريمة تشير إلى أن نيل عهد الله وهو إمامة البشرية المتمثلة بالأنبياء وخلفائهم، لا يمكن أن تكون من نصيب ظالم، والخطيئة كبيرها وصغيرها، ظاهرها وباطنها تجعل من مرتكبها ظالما.

 ب – قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب/33]. فالرجس في هذه الآية هو الإثم، والمراد من إذهابه الرجس عن أهل البيت هو تنزيههم عن كل ما يوجب نقصا فيهم، وأي ذنب مهما صغر وبطن فإنه موجب في نقص متصرفه، فكانت إرادة الله عز وجل تطهيرهم من كل الذنوب. ويرى الشيعة أن المراد بالتطهير في هذه الآية لا يمكن أن يكون مجرد التقوى بالاجتناب عن النواهي، حيث إن هذا المعنى لا يختص بأهل البيت عليه السلام وحدهم، وإنما هو لعموم الناس لقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} [المائدة/6].

ج‍ – قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء/59]. ويعتقد الشيعة أن أولي الأمر في هذه الآية هم الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام، ويقولون إنه لو احتمل ارتكاب أحدهم المعصية والإثم لما أمر الله سبحانه وتعالى الناس بطاعتهم، لا سيما وأن هذا الأمر جاء مطلقا دون أن يكون محصورا بأي قيد أو شرط، وقد اعتبرت طاعتهم بمستوى طاعة الله ورسوله كما يظهر جليا من تسلسل الأمر في الآية…”.(6)

والجواب على هذا كالآتي:

1. الإمامة غير النبوة

إن النبوة منصب إلهي يعطيها الله تعالى لمن اصطفى من خلقه، فيتلقى النبي الشرع عن ربه سبحانه بواسطة الوحي ليبلغه للناس. وأما الإمامة أو الخلافة فهي تطبيق لشرع الله على البشر، وليست تبليغا عن الله. ولا تلازم بين النبوة والحكم حتى يقال إنّ “الدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق”؛ لأنّ النبي أو الرسول قد يحكم، وقد لا يحكم، من ذلك أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان نبيا حاكما، وأما موسى وعيسى عليهما السلام، فلم يحكما ولم يقوما بتطبيق ما جاءا به من شريعة.

فالعصمة مسألة اقتضتها النبوة وليس الحكم؛ إذ إن اشتراطها في الأنبياء والرسل من أجل التبليغ، ولو لم يكن النبي معصوما من الله لجاز أن يكتم الرسالة، أو يزيد عليها، أو ينقص، أو يخطئ في تبليغها، وهذا مما يقدح في منصب النبوة ويناف التبليغ عن الله تعالى. وأما الحاكم أو الخليفة فليس بمبلغ رسالة عن الله، إنما هو يطبّق الشرع الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تشترط فيه العصمة. قال علي رضي الله عنه: “لا بد للناس من أمير برٍ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي”.(7)  

فإن قيل: لو لم يكن الحاكم معصوما كالنبي عن الخطأ والخطيئة، لزالت الثقة به؟ قلنا: إن المسألة هنا ليست متعلقة بالثقة في الحاكم والاطمئنان إليه، بل متعلقة بالثقة في الحكم الذي يحكم به، هل هو حكم الله أم لا؟ والتثبت من هذا لا يلزمه اشتراط العصمة، إنما يلزمه اشتراط الدليل الشرعي. فالمسألة إذن لا تتعلق بعصمة الحاكم، إنما تتعلّق بالأدلة الشرعية التي استمد منها الحاكم حكمه، فإذا كان دليل الحاكم على الحكم دليلا شرعيا واستنبط استنباطا شرعيا، حصلت الثقة بالحكم واطمأن الناس إليه، وأما إذا كان دليل الحاكم على الحكم غير شرعي، علم الخلل فيه وأدركه الناس دون الحاجة إلى معصوم ليخبرهم به.

علاوة على هذا كلّه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جوّز على نفسه النسيان فقال: “إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني” (أخرجه البخاري ومسلم)، وإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون حال غيره؟

2. الإمامة منصب بشري

 الإمامة بخلاف النبوة منصب بشري، يتولاه البشر فيسيرون الأمور وفق اجتهادهم، لذلك يجوز على الحاكم أو الخليفة أو الإمام أن يخطئ ويصيب، ويجوز عليه أن يعتريه ما يعتري البشر عادة من السهو والنسيان، ويجوز عليه أيضا أن يقع في المعصية شأنه شأن بقية البشر. وقد جاء في النصوص الصحيحة ما يدلّ على أن الخليفة ليس بمعصوم، فيقع في الخطأ والمعصية كما يقع غيره من البشر:

  • أخرج البخاري ومسلم عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها”. وإذا جوز النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه إمكانية الخطأ في القضاء، فكيف يكون حال غيره؟
  • وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا وإن قال بغيره فإن عليه منه”. وإذا جوّز النبي صلى الله عليه وسلم على الإمام عدم الاتصاف بالتقوى، فمعناه أنه لا يشترط فيه العصمة. فإذا جاز أن يأمر بغير التقوى فمعناه أنه غير معصوم.
  • وأخرج مسلم عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم”. قيل يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: “لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة”. وإذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن من أئمتنا من نكره عمله، ومع ذلك أمر بلزوم طاعته، فإن هذا يدلّ على أن الخليفة لا يجب أن يكون معصوما؟ 

3. قوله تعالى: { لا ينال عهدي الظالمين}  

قال تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}.

هذه الآية لا دلالة فيها على عصمة الأئمة من وجهين:

أولا: الظلم نقيض العدل، وليس نقيض العصمة. وعليه، فإن كلمة “الظالمين” يكون مفهوم المخالفة لها “العادلين” وليس المعصومين. والعدل قد يتحقّق في المعصوم وقد يتحقّق في غيره.

ثانيا: كلمة إمام هنا معناها النبوة والقدوة، ولا تعني الحكم. قال الشيخ الطاهر بن عاشور: “والإمام مشتق من الأم بفتح الهمزة وهو القصد وهو وزن فعال من صيغ الآلة سماعا كالعماد والنقاب والإزار والرداء فأصله ما يحصل به الأم أي القصد، ولما كان الدال على الطريق يقتدي به الساير دل الإمام على القدوة والهادي. والمراد بالإمام هنا الرسول فإن الرسالة أكمل أنواع الإمامة والرسول أكمل أفراد هذا النوع. وإنما عدل عن التعبير ب(رسولا) إلى (إماما) ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق التبليغ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء…”.(8) وما طلبه إبراهيم عليه السلام لذريته من جنس ما أعطي له، أي طلب أن يكون من ذريته أنبياء يقتدى بهم، ولم يطلب أن يعطى حكاما؛ لأنّ إمامته عليه السلام إمامة نبوة ورسالة، فلم يعطى الحكم، ولم يحكم ولم يكن حاكما. وعليه، فإن الاستدلال بهذه الآية على عصمة الخلفاء في غير محله؛ لأنه لا تعلق لها بالحكم أساسا.  

4. قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}

قال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِن النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)}.

الآية التي يستدلّ بها الشيعة لا دلالة فيها على عصمة الأئمة من وجهين:

أولا: إن سياق الآية ضمن ما قبلها وما بعدها يدلّ صراحة على أنها نزلت في زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.

“وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة قال: لما نزلت على النبي {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} في بيت أم سلمة دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره جللهم بكساء ثم قال: “اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا”. وقال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يسمه الترمذي بصحة ولا حسن ووسمه بالغرابة. وفي صحيح مسلم عن عائشة خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرحل فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله فقال: {إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. وهذا أصرح من حديث الترمذي. فمحمله أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهل بيته كما ألحق المدينة بمكة في حكم الحرمية بقوله “إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابيتها”… ولذلك هم أهل بيته بدليل السنة وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بعضه بالجعل الإلهي وبعضه بالجعل النبوي، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم “سلمان منا أهل البيت”… وقد تلقف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان وزعموا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت. وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشوا بين ما خوطب به أزواج النبي. وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله “هؤلاء أهل بيتي” صيغة قصر وهو كقوله تعالى {إن هؤلاء ضيفي} ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها…”.(9)

ثانيا: “الرجس في الأصل الشيء القذر، وأريد به هنا عند كثير الذنب مجازا، وقال السدي: الإثم، وقال الزجاج: الفسق، وقال ابن زيد: الشيطان، وقال الحسن: الشرك، وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع، وقيل: الأهواء والبدع، وقيل: إن الرجس يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص…”.(10)

جاء في القاموس المحيط: “والرّجْسُ بالكسر: القَذَرُ ويُحَرَّكُ وتفتح الراءُ وتكسر الجيمُ والمَأْثَمُ وكلُّ ما اسْتُقْذِرَ من العَمَلِ والعَمَلُ المُؤَدّي إلى العذَابِ والشَّكُّ والعِقَابُ والغَضَبُ”.

وجاء في المصباح المنير: “الرِّجْسُ: النتن و(الرِّجْسُ) القذر. قال الفارابي: وكلّ شيء يستقذر فهو (رِجْسٌ)، وقال النّقّاش: (الرَّجْسُ) النجس، وقال في البارع: وربما قالوا (الرَّجَاسَةُ) والنجاسة أي جعلوهما بمعنى، وقال الأزهري: (النَّجِسُ) القذر الخارج من بدن الإنسان، وعلى هذا فقد يكون الرجس والقذر والنجاسة بمعنى، وقد يكون القذر والرجس بمعنى غير النجاسة…”.

وعليه، فإنّ إذهاب الرجس والتطهير في الآية الكريمة معناه إذهاب القذارة المعنوية. ولا دلالة في هذه الآية على العصمة؛ لأن العصمة عندهم تعني “التنزّه عن الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان”، فإن احتمل اللفظ في الآية الكريمة معنى تطهيرهم من قذارة الذنوب، فإنه لا يحتمل قطعا معنى تطهيرهم من قذارة الخطأ والنسيان؛ لأنّ الخطأ في الاجتهاد لا يطلق عليه لفظ “الرّجس” وليس بقذر مطلقا، وكذلك النسيان لا يطلق عليه لفظ “الرجس” وليس بقذارة مطلقا. وأنّى يكون ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” (رواه البخاري ومسلم)، ويقول: “إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني” (أخرجه البخاري ومسلم).    

5. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}

وجه استدلال الشيعة بهذه الآية على عصمة الأئمة هو قولهم: “لو احتمل ارتكاب أحدهم المعصية والإثم لما أمر الله سبحانه وتعالى الناس بطاعتهم، لاسيما وأن هذا الأمر جاء مطلقا دون أن يكون محصورا بأي قيد أو شرط”.

والجواب على هذا أنّ الأمر بالطاعة جاء مقيّدا بأدلة من الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)} (الكهف)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِع الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1)} (الأحزاب)، وقوله تعالى: {وَلا تُطِع الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48)} (الأحزاب). وأما السنة فعن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” (رواه البخاري). وعن عبادة بنِ الصّامت قال: “دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان” (رواه البخاري ومسلم).

وعليه، فإن الآيات والأحاديث خصصت الطاعة في غير المعصية، فيبطل قولهم: لو احتمل ارتكاب أحدهم المعصية والإثم لما أمر الله سبحانه وتعالى الناس بطاعتهم، ويبطل قولهم: إن الأمر جاء مطلقا.

خاتمة

لم يكن غرضنا من هذا البحث استيعاب كل الأدلة الناقضة لما عليه الشيعة الإمامية من أصول، إنما كان الغرض بيان ظنّية أدلتهم، والاكتفاء بنقضها من خلال بيان أوجه الاحتمال فيها المبطلة للاستدلال بها، إذ إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. وما نحن بصدد البحث فيه مسائل أصولية تستوجب اليقين والقطع بثبوتها ودلالتها، فلا يكفي فيها مجرد الظنّ؛ لأنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئا.    

20 محرم 1428هـ

_____________

(1) عقائدنا، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ص38

(2) أصل الشيعة وأصولها، للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، ص212

(3) عقائد الإمامية، للشيخ محمد رضا المظفر، ص313

(4) النكت الاعتقادية، للشيخ المفيد، ج10 ص37

(5) عقائد الإمامية، للشيخ محمد رضا المظفر، ص287

(6) أزمة الخلافة والإمامة، لأسعد وحيد القاسم، ص62-63 

(7) نهج البلاغة، ص82

(8) تفسير التحرير والتنوير، للشيخ الطاهر بن عاشور، ج1 ص703-704

(9) المصدر السابق، ج22 ص15-16

(10) عن روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لأبي الفضل محمود الألوسي، ج22 ص12، وينظر أيضا: تاج العروس، مادة “رجس”.