الحكم في الإسلام ليس تيوقراطيا

السؤال:

‎كثيرا ما يصف عدد من الناس الإسلام بكونه تيوقراطيا، ويرفض عدد آخر هذا الوصف. ولكن أليس حديث “السلطان ظل الله في الأرض” يدل على هذا؟ 

الجواب:

‏ الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

يقول بعض الغربيين – وقلّدهم أتباعهم – إنّ نظام الحكم في الإسلام يقوم على نظرية الحقّ الإلهي, فيصفونه بالتيوقراطية، ويصنّفه بعضهم ضمن الأنظمة الدينية التي يكون الحاكم فيها يحكم بإرادة الله أي هو الذي اختاره وعيّنه.

والحقيقة, أنّ هذا القول يخالف واقع الحكم في الإسلام وحقيقته. ذلك, أنّ التيوقراطية هي كلمة يونانية مركبة من: (تيوس) بمعنى الإله و(كراتوس) بمعنى السلطة. وفي الاصطلاح هي عبارة عن مذهب سياسي ينادي بقيام الدولة على أساس ديني بحجة أنّ السلطة مستمدّة من الله الذي يختار الملوك ويوجّه الحوادث. وقد عرف هذا المذهب باسم الحقّ الإلهي، واستند إليه كثير من الملوك إبّان القرون الوسطى لتبرير ممارستهم الحكم المطلق, وهو الذي جعل الملك لويس الرابع عشر يقول: “الدولة هي أنا”, وهذا ما عناه الإمبراطور غليوم الثاني بقوله: “إنّه المختار من السماء الذي يستمدّ سلطانه من الله…”.

وأما الخليفة في الإسلام, فلا يعيّنه الله, وليس مختارا منه, ولا يستمدّ سلطانه من الله, بل هو يختار من الأمّة, وينصّب من قبلها, ويستمدّ سلطانه منها ببيعتها له. كما أنّ الحاكم في الإسلام, ليس معصوما عن الخطأ, بل يخطئ ويصيب, ويجوز أن يقع منه ما يقع من البشر من السهو والنسيان والكذب والظلم والمعصية وغير ذلك, لأنّه بشر.

وأمّا كون السيادة في الإسلام للشرع لا للأمّة, فذلك لأنّ الأمّة مأمورة بإتباع شرع الله, أي أمره ونهيه, فليست حرّة في تسيير إرادتها بنفسها, إنما هي ملزمة بالسير وفق أمر الله ونهيه. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}. وهذا الإلزام, بالسير وفق شرع الله تعالى, يشمل الخليفة أيضا, فهو لا يحكم وفق ما يراه بحجة أنّه ظلّ الله في الأرض, ولا يشرّع ما يشاء من قوانين بحجّة الإلهام الربّاني, فهو يحكم وفق الكتاب والسنّة لأنّه بويع على العمل بهما وتنفيذهما.

وأما حديث: “السلطان ظل الله في الأرض”، فمعناه – بغض النظر عن سنده – أنّ السلطان إذا عدل أي طبّق الإسلام، دفع الأذى عن الناس بعدله كما يدفع الظل حر الشمس، فهو تشبيه بالظل لأن الناس إذا طبّق الإسلام تطبيقا سليما يستريحون إلى برد عدله من حر الظلم. وهذا الحديث لا يفيد مطلقا كون السلطان يحكم بتفويض من الله، ولا كون السلطان عيّنه الله ونصّبه.

ويكفي لبيان بطلان هذه الفرية أن نذكر كيفية تولي عثمان رضي الله عنه الخلافة. أخرج البخاري عن مالك، عن  الزُهريِّ: أنَّ حميد بن عبد الرحمن أخبره: أنَّ المسور بن مخرمة أخبره: “أنَّ الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولَّوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان، قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظتُ، فقال أراك نائماً، فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم، انطلق فادعوا الزبير وسعداً، فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي علِيًّا، فدعوته فناجاه حتى ابهارَّ الليل، ثم قام عليّ من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من عليٍّ شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرَّق بينهما المؤذِّن بالصبح، فلما صلَّى للناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحَجَّة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن ثم قال: أمَّا بعد يا عليُّ، إنِّي قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً. فقال: أبايعك على سنَّة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس: المهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون”.

فنرى هنا أنه ما كان يخطر ببال الصحابة رضوان الله عليهم أن الخليفة ينصبه الله ويعيّنه حاكما أو أنّه يحكم بتفويض منه، بل أجمع الصحابة والرعيل الأول على عثمان رضي الله عنه بعد اختياره وانتخابه من طرف الناس ليحكم بشرع الله.

وعلى ذلك فلا مجال للخلط بين التيوقراطية والحكم في الإسلام.

21 ربيع الثاني 1428هـ