حول الاختلاط

السؤال:

الإخوة الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أرسل لكم هذه الرسالة تفاعلا مع ما حبّرته أيديكم حول موضوع الاختلاط في مقال “مفهوم الاختلاط أصيل وليس بدخيل”. والحقيقة أنني أقول برأيكم ولكن عندما جرى بيني وبين بعض الإخوة حوار عن الاختلاط اعترض أحدهم علي باعتراضات وجيهة أود لو قمتم بتوضيحها لي لرفع اللبس.

هناك من العلماء من يقول إن كلمة الاختلاط في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة كلمة دخيلة على المعجم الإسلامي وهؤلاء لا يقولون مثل هذا الكلام إلا بعد قراءة واطلاع واسع على الفقه وكتب الفقهاء. وهناك أدلة قوية تفيد أن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مبنية على اللقاء والمشاركة والتعاون بشرط عدم الخلوة وغض البصر. وفي القرآن: هذا موسى عليه السلام الرسول الكريم يتحدث مع بنات شعيب: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير…..) إلى قوله: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك…). وهذا زكريا النبي عليه السلام يدخل على مريم الطاهرة ويتكلم معها: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). وفي السنة نجد الأحاديث التي تثبت أن المرأة كانت تشهد الجماعة وتخرج للجهاد وتسعف الجرحى وتسقيهم.

وهذه اعتراضات وجيهة تعارض مفهوم الاختلاط. وأرجو لو قمتم بتوضيحها أو مراجعة ما كتبتم. وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

1. غرابة الكلمة

إنّ البحث هنا منصب على إثبات ورود الكلمة في كتب الفقه وفي الثقافة الإسلامية، وليس منصبا على تعريفها الذي يخضع لوجهة نظر المعرف في المسألة وفهمه لواقعها وما يندرج تحتها من أحكام. فليس مرادنا هنا أن ننتصر لتعريف معيّن للكلمة أو أن نحقق في القيود التي تضبط معناها، إنما مرادنا إثبات ورود الكلمة بمعناها الإجمالي المتبادر إلى الذهن حين إطلاقها، وهو القدر المتفق عليه بين الجميع.

فكلمة الاختلاط إذا أطلقت لا بدّ أن يفهم معناها ضمن السياق الذي ترد فيه. وفي هذا السياق أي سياق العلاقة بين الرجل والمرأة يراد بالكلمة الاجتماع بين الرجال والنساء مطلقا أو بقيد الخلطة كأن يمشي الرجل مع المرأة ويتحدث معها.

وهذه الكلمة بهذا المعنى، وفي سياق العلاقة بين الرجل والمرأة، وردت في كتب الفقه واستعملها الفقهاء من قبل، فليست بدخيلة على الفقه أو على المعجم الإسلامي كما وضحنا هذا في المقال السابق وسقنا له من النقول عن العلماء ما يشهد له. ولكي يطمئن قلبك إليك بعض النقول الأخرى:

·     قال ابن تيمية رحمه الله: “وقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه التمييز بين الرجال والنساء والمتأهلين والعزاب فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في مقدم المسجد والنساء في مؤخره وقال النبي صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها… وهذا كله لأن اختلاط أحد الصنفين بالآخر سبب الفتنة فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب…”.(1)

·     وقال ابن القيم رحمه الله: “ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال…”.(2)

·     وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: “ونقل النووي في شرح المهذب أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء والسبب فيه ما تقدم ولأن الجنازة لا بد أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة…”.(3)

·     وقال بدر الدين العيني رحمه الله: “هذا باب في بيان حمل الرجال الجنازة دون حمل النساء إياها… لأنّ الرجال أقوى لذلك والنساء ضعيفات ومظنة للانكشاف غالبا، خصوصا إذا باشرن الحمل، ولأنهن إذا حملنها مع وجود الرجال لوقع اختلاطهن بالرجال وهو محل الفتنة ومظنة الفساد فإن قلت إذا لم يوجد رجال قلت الضرورات مستثناة في الشرع”.(4)

·     وقال ابن عابدين رحمه الله: “مطلب في زيارة القبور… قال ابن حجر في فتاويه: ولا تترك لما يحصل عندها من منكرات ومفاسد كاختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك؛ لأن القربات لا تترك لمثل ذلك بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع بل وإزالتها إن أمكن…”.(5) وقال: “…وقد مرّ في كتاب الشهادات مما تردّ به الشهادة الخروج لفرجة قدوم أمير أي لما تشتمل عليه من المنكرات ومن اختلاط النساء بالرجال…”.(6)

·     وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: “(وإذا صلى وراءهم نساء مكثوا) أي مكث الإمام بعد سلامه ومكث معه الرجال قدرا يسيرا يذكرون الله تعالى (حتى ينصرفن) ويسن لهن أن ينصرفن عقب سلامه للإتباع في ذلك رواه البخاري؛ ولأنّ الاختلاط بهن مظنة الفساد”.(7)

فكلمة الاختلاط إذن ضمن سياق العلاقة بين الرجل والمرأة وردت على لسان العلماء ووجدت في كتب الفقه، فهي أصيلة وليست دخيلة. ولكن هل نوافق على كلّ ما قرّره العلماء من أحكام مبنية على فهمهم لكلمة لاختلاط، وهل كل اجتماع بين الرجل والمرأة يصدق عليه واقع الاختلاط؟ هذه مسألة أخرى لا تعلّق لها بسياق بحثنا هنا وهو إثبات ورود الكلمة إجمالا وفق المعنى المتبادر إلى الذهن حين استعمالها. 

2.  محل النزاع

رغم أننا أثبتنا أن كلمة الاختلاط أصيلة وليست دخيلة، إلا أننا لم نجعلها محور البحث وأساس النزاع. وقد حرّرنا محل النزاع بقولنا في المقال السابق: “والمسألة التي نحن بصدد تحرير مفهومها هي مسألة العلاقة بين الجنسين أي بين الرجال والنساء. والذي يعنينا منها بغض النظر عن المصطلح المعبّر عنها هو حكمها أي ما حكم العلاقة بين الرجال (الأجانب) والنساء؟ وهل يجوز اجتماعهما أم يحرم ويجب الفصل بينهما؟”.

فالقضية لا تتعلق بالكلمة والمبنى بقدر ما تتعلق بالمفهوم والمعنى؛ إذ لسنا ممن يركّزون على الشكليات ويجعلون المباني أساس النزاع دون المعاني. ولو سلمنا جدلا أن كلمة الاختلاط دخيلة ولا وجود لها في المعجم الإسلامي، فإن هذا لا يغير من واقع النزاع شيئا؛ لأنّ جوهر البحث منصب على العلاقة بين الجنسين، هل الأصل فيها الفصل أم لا؟ والذي نقول به هو أن الفصل بين الرجال والنساء هو الأصل، ولا يجوز اجتماعهما إلا لحاجة يقرّها الشرع.

3. دفع شبهات

ذكر السائل بعض الاعتراضات على مفهوم الاختلاط وقال إنها وجيهة، وهذا بيانها:

أولا: قصة موسى عليه السلام:

قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)} (القصص).

هذه القصة تدل على ما قررناه وهو أن الفصل بين الرجال والنساء هو الأصل، ولا يجوز اجتماعهما إلا لحاجة يقرّها الشرع. فموسى عليه السلام رأى في المرأتين ضعفا، {قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، فتقدّم لمدّ يد المساعدة ونصرة الضعيف المحتاج للعون، وهذه حاجة يقرّها الشرع أي مد يد العون للضعيف من النساء أو الرجال. ثم إنّ موسى عليه السلام لم يتحدث مع المرأتين إلا فيما يخصّ الحاجة، وبعد أن سقى لهما انصرف عنهما. وأما ما يدلّ على أن موسى كان يقول بالفصل كأصل ما أخرجه الحاكم في المستدرك (قال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية:{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} قال: كانت تجيء وهي خراجة ولاجة واضعة يدها على وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك، فإنا لا ننظر في أدبار النساء. ثم قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} لما رأته من قوته ولقوله لها ما قال…”. وهذا الموقوف له حكم المرفوع، وهو يدلّ على أن موسى عليه السلام يرى أن الأصل الفصل، وأن الاجتماع لا يكون إلا لحاجة، لذلك مشى أمام المرأة، ولم يمش معها أو بجانبها، ولم يتكلم معها، وتكلمت هي معه في حدود اللازم وهو نعت الطريق. ولو كان موسى عليه السلام يرى جواز اللقاء والمشاركة بشرط عدم الخلوة وغض البصر لمشى بجانبها ولتحدث معها، إلا أنه عليه السلام لم يفعل بل مشى أمامها ولم يتكلم معها، فكان بحقّ {الأمين}.

ثانيا: قصة مريم:

قال تعالى:{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)} (آل عمران).

وهذه القصة لا حجة فيها على جواز الاختلاط وعدم الفصل؛ لأنّ زكريا عليه السلام، وهو زوج خالة مريم أو قريبتها كان كافلا لها، وقد تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، فهو يجوز له أن يتكلم معها ويختلط بها نظرا لهذا الرابط بينهما. والحاصل، إن قلنا بأن زكريا كان يدخل على مريم وهي في المحراب مع زوجته أو غيرها، فلا إشكال في هذا؛ لأنّه كفيل لها ويقوم على رعايتها وتربيتها. أما إن قلنا، وهو الأصح، إن زكريا كان يدخل على مريم المحراب بمفرده؛ فهذا لا يجوز في ديننا لأنه خلوة. ومن المعلوم أن الذين يقولون بشرع من قبلنا يقولون أيضا: “هو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه”، وقد ورد في شرعنا ما ينسخه. عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت” (متفق عليه). وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم…” (متفق عليه). لذلك فالاستدلال بهذه القصة في هذا السياق غير دقيق.

ثالثا: السنّة:

نعم، ورد في السنة ما يدلّ على أن المرأة كانت تشارك في الحياة فتخرج من بيتها لتشهد الجماعة وتغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. فعن أم عطية قالت: “كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى تخرج الحيض فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته” (البخاري). وعن أم عطية الأنصارية قالت: “غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى” (مسلم).

ولكن ورد في السنة أيضا النهي عن اختلاط النساء بالرجال. فعن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: “استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق”. فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. (رواه أبو داود في السنن: “باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق”، والطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب). وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم. قال [أي الزهري]: نرى -والله أعلم- أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال” (رواه البخاري).

ونحن لم ننكر هذه الأحاديث، ولم نقل إن المرأة لا يجوز لها الخروج من بيتها، بل قلنا إن الأصل عدم اجتماع الرجال بالنساء إلا لحاجة يقرها الشرع. وما جاء في بعض الأحاديث هو لبيان الحاجة التي يقر الشرع الاجتماع من أجلها، فيقتصر عليه ضمن سياقه ولا يعمم على كل أمر.  

والحاصل، قال الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله: “وتحريم  الدين لاختلاط الجنسين… معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنّة وسيرة السلف الذين عرفوا لباب الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية”.(8) والله أعلم.

24 محرم 1428هـ

 (1) الاستقامة، ص360

(2) الطرق الحكمية، ص406

(3) فتح الباري، ج3 ص182

(4) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج8 ص111

(5) حاشية ابن عابدين، ج6 ص400

(6) المصدر السابق، ج26 ص348

(7) مغني المحتاج، للخطيب الشربيني، ج1 ص183

(8) ينظر مقال الشيخ محمد الخضر حسين بعنوان (اختلاط الجنسين في نظر الإسلام) على صفحة مجلة الزيتونة ضمن باب الفقه.