عدالة الصحابة

السؤال:

هناك من الناس من يطعن في الصحابة ويطعن في عدالتهم، فنرجو منكم بيان من هو الصحابي وهل العدالة ثابتة لهم كلهم؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

اختلف العلماء في مفهوم الصحابي، فذهب جمع من العلماء ومنهم جمهور أهل الحديث إلى أن الصحابي هو “من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام؛ فيدخل فيه من لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى”.

قال ابن كثير: “والصحابي من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته له وإن لم يرو عنه شيئا. هذا قول جمهور العلماء خلفا وسلفا. وقد نص على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة: البخاري وأبو زرعة وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة كابن عبد البر وابن مندة وأبي موسى المديني وابن الأثير…”(1).

وهناك اتجاه آخر في تعريف الصحابي، وهو الأرجح، “وهو اتجاه الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين؛ فقالوا: الصحابة كل من كثرت صحبته واتصل لقاؤه، كما قال أنس بن مالك لما سئل: هل بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيرك؟ قال: ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا. قال النووي في مقدمة صحيح مسلم بعد ذكر تعريف الصحابي عند المحدثين: وذهب أكثر أصحاب الفقه والأصول إلى أنه من طالت صحبته له صلى الله عليه وسلم”(2).

وعليه، فإن الصحابي “عند جمهور الأصوليين: هو من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ولازمه زمنا طويلا. وعند جمهور المحدثين: من لقيه مسلما ومات على إسلامه، سواء طالت صحبته أو لم تطل”(3).

هذا وتثبت الصحبة لصحابي، بالتواتر وبالاستفاضة وبشهادة غيره من الصحابة له وبقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته بأنه صحابي.

وأما العدالة، فجميع الصحابة عدول لا يسأل عن عدالة أحد منهم لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة.

قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

وقال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَن الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}.

وقال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.

وقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}.

وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه”.

وهذا يدل على القطع بعدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم. قال الغزالي: “فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم”(4).

وإذا لم يكن الصحابة عدولا، كيف يكون ما نقل إلينا بواسطتهم من القرآن والسنة حقا؟ “فالجرح فيمن يجرحهم أولى؛ لأن هؤلاء الصحابة هم الوسطاء بيننا وبين قرآننا، وبيننا وبين سنة نبينا صلى الله عليه وسلم”(5).

ولذلك فإن الصحابة رضوان الله عليهم عدول لا يسأل عن عدالتهم، وما نقلوه كأفراد يقبل، وما أجمعوا عليه كافة يقطع بصحته.

07 شعبان 1428هـ

___________________

(1) ينظر (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث)، ص169-170، مكتبة دار الفيحاء بدمشق ودار السلام بالرياض، الطبعة الثانية 1997م. 

(2) نقلا عن (دراسات في الجرح والتعديل)، للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص204، مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة، الطبعة الرابعة 1419هـ. 

(3) نقلا عن (أصول الفقه الإسلامي)، للدكتور وهبة الزحيلي، ج2 ص850، دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى 1986م.

(4) ينظر (المستصفى ومعه فواتح الرحموت)، لأبي حامد الغزالي، ج1 ص164، دار إحياء التراث العربي بلبنان، الطبعة الثالثة 1993م.  

(5) نقلا عن (دراسات في الجرح والتعديل)، ص217