البراكاج: نتيجة حتمية لدولة بلا هويّة

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

اشتهرت كلمة “البراكاج” على لسان العامة للتعبير عن جرم معيّن أصبح ظاهرة في البلاد التونسية يعاني منه الكبير والصغير والرجال والنساء بلا فرق. وأصل الكلمة من اللغة الفرنسية وهي: ” braquage”، وتعني وفق القواميس اللغوية والقانونية السرقة أو الهجوم على الغير تحت تهديد السلاح أو قطع الطريق على الغير لسلب أمواله تحت تهديد السلاح أو باستعمال العنف ضده.

هذا الجرم المروع الخطير هو في حقيقته نتيجة حتمية لدولة فاقدة للهوية، ولمجتمع غير متميّز بشخصية، ولنظام لا يمتلك مقوّمات التنظيم والضبط الاجتماعي؛ إذ إننا نعيش وسط منظومة ثقافية ومعيارية تصوّر لنا الحياة كلذة ومتعة، وتحصر قيمة وجودنا في إشباع الشهوات والرغبات، وتفسّر لنا السعادة بأنها النهم بقدر الإمكان من متع الدنيا. فالحياة الدنيا عندنا لهو ولعب، و”شيخة وتفرهيد”، ومعاقرة للخمر، وتدخين للشيشة والزطلة، وعلاقات غرامية وجنسية، وسيارات فارهة رياضية، وألبسة فاخرة ذات “ماركة” عالمية وغير ذلك من المتع والملذات التي يراها التونسي في زمن التنوير والحداثة معيار إثبات الذات.

هذا المعيار للسعادة هو معيار الغرب، ولكن الفرق الذي بيننا وبين الغرب هو أنّ الغرب يوفّر سبل تحقيق هذه السعادة لمواطنيه لينسجم النظري مع التطبيقي في مجتمعه، فتراه يوفّر مواطن الشغل لكسب المال من أجل إنفاقه في الملذات، وإذا لم يوفّر الشغل عوّض ذلك بمساعدات تكفي لتحقيق القدر القليل من تلك المتع والشهوات. وأما في مجتمعنا وفي دولتنا، فكل المفاهيم تدنن حول مفهوم السعادة الغربي، ولكن دون توفير سبل تحقيق ذلك. فالدولة تربي النشأ على الحداثة والتنوير ليعيش كالغربي مقلدا نمط حياته ولكنّها بعد أن تملأ عقله بمفاهيم النهم من متع الحياة الدنيا، وبعد أن تشحن عواطفه فتدفعه بقوة للإشباع، لا يجد سبل تحقيق ذلك الإشباع؛ لأنه بكل بساطة لا يجد المال “للشيخة والتفرهيد”. إذن دولتنا الحداثية التنويرية ألقت بالنشأ مكتوفا في اليم وقالت له: إياك إياك أن تبتل بالماء.

ومما يزيد الطين بلة، أنّ الدولة لا تهتم لهذا الأمر، وتواصل في سياستها التغريبية وإهمالها الأمني تاركة المجتمع لوحوش تعبث ببراءة الأطفال وضعف النساء والشيوخ, ولهذا نسأل: ما قيمة الدولة إذا لم توفر الأمن للناس؟ وما قيمة وجود الدولة إذا عدم وجود الأمن؟

والآن لنعد إلى كلمة “براكاج”، وهي كلمة فرنسية كما قلنا, ما هو مرادفها في ثقافتنا الإسلامية؟ والجواب هو: الحرابة.

ففي التاج والإكليل لمختصر خليل: “(المحارب قاطع الطريق) ابن شاس: كل من قطع الطريق وأخاف الناس فهو محارب، وكذلك من حمل عليهم السلاح بغير عداوة ولا ثائرة فهو محارب”.

وفي مواهب الجليل: “ص (باب المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك أو أخذ مال مسلم أو غيره على وجه يتعذر معه الغوث)

ش: قال ابن عرفة الحرابة الخروج لإخافة سبيل بأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه أو ذهاب عقل أو قتل خفية أو لمجرد قطع الطريق، لا لإمرة ولا لنائرة ولا عداوة، فيدخل قولها والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون انتهى. ومعنى كلام المصنف أن المحارب هو من قطع الطريق على الناس ومنعهم من السلوك فيها وإن لم يقصد أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث فينبغي أن يقرأ قوله أو آخذ المال بمد الهمزة وكسر الخاء على أنه اسم فاعل وأما إذا قرئ بسكون من غير مد بصيغة المصدر فلا يكون جامعا لأنه يكون معطوفا على قوله لمنع سلوك فيقتضي أن المحارب هو من قطع الطريق لمنع السلوك أو من قطعها لأخذ المال ويخرج منه من قاتل لأخذ المال من غير قطع الطريق ويخرج من ذلك من دخل دارا أو زقاقا أو قاتل ليأخذ المال ومسقي السيكران ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه، ولهذا قال ابن الحاجب: الحرابة كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه يتعذر معه الاستغاثة عادة من رجل أو امرأة أو حر أو عبد أو مسلم أو ذمي أو مستأمن. إلا أن قوله على وجه يتعذر معه الغوث أحسن من قول ابن الحاجب تتعذر معه الاستغاثة. فإن المسلوب يستغيث وجد مغيثا أم لا فهو لا تتعذر عليه الاستغاثة”.

وقال الشيخ الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير: “وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة فقال مالك: هي حمل السلاح على الناس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة أي بين المحارب- بالكسر- وبين المحارب- بالفتح-، سواء في البادية أو في المصر، وقال به الشافعي وأبو ثور. وقيل: لا يكون المحارب في المصر محاربا، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق. والذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة، والذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر. وقد كانت نزلت بتونس قضية لص اسمه «وناس» أخاف أهل تونس بحيله في السرقة، وكان يحمل السلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقا بباب سويقة”.

وعليه إذا أردنا علاج مشكلة “البراكاج” فعلينا البدء بتسميته باسمه الذي سماه الشرع وشرحه فقهاء الأمة وهو “الحرابة”, وعلينا تطبيق الشرع على من يتلبّس به كما قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34)}. وأخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ، ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلًا، قَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ»، فَانْطَلَقُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ، حَتَّى مَاتُوا، قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَادًا.

ونختم بما ذكره ابن العربي المالكي في أحكامه: “ولقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع إلي قوم خرجوا محاربين إلى رفقة، فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأخذوا وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين؛ لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج. فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال، وخصوصا في الفتيا والقضاء”. فليتدبر الناس ماذا خسروا بعدم تطبيق الشرع والإعراض عن حكم الله؟ وهل استفدنا من الحداثة بشيء أم خسرنا معها الدنيا والآخرة؟.  

06/05/1438هـ