منهج الأحزاب في ميزان الشرع

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

يتملّك كثير من الناس إحساس بوجوب التغيير نتيجة عدم الرضا بالواقع الفاسد، إلّا أنهم يتوقفون في منتصف الطريق ولا يقدرون على متابعته لحيرتهم وعدم إدراكهم لكيفية التغيير، وهنا يطفو على السطح سؤال يسأله هؤلاء: ما هو الطريق الصحيح ومع من نتابع المسير ونعمل لتحقيق الهدف المنشود؟

إنّ هذا السؤال بديهي ومشروع؛ لأنّ الواقع الذي نعيشه فيه دخن، وفساد كبير واختلاف كثير، فيه “قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا”، “دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا” – كما جاء في الحديث الصحيح -. ومما يزيد الطين بلّة عدم امتلاك معظم الناس للمقاييس الفكرية والشرعية الصحيحة للحكم على الواقع. ولكن ديننا هذا الذي أكمله الله عزّ وجلّ، لا يترك الناس سدى، ولهذا حرص النّبي صلى الله عليه وسلم أشدّ الحرص على إرشاد أمته إلى طريق الحقّ فبيّن لها أمارات الهدى وعلامات الرشاد. قال صلى الله عليه وسلم: ” قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ” (رواه أحمد). وفي رواية (المَحَجَّة البيضاء) وهي جادة الطريق. وقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم الطريق وبيّن خارطته لمن أراد أن يسلكه فلا يضيع ما تمسّك بها. قال صلى الله عليه وسلم: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ” (رواه أحمد عن النواس بن سمعان).

قال ابن رجب الحنبلي: “فضرب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلَ الإسلام في هذا الحديث بصراطٍ مستقيمٍ، وهو الطريقُ السَّهلُ الواسعُ، الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو – مع هذا – مستقيمٌ، لا عوَجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولته، وعلى جنبتي الصِّراط يمنة ويَسرة سوران، وهما حدودُ الله، وكما أنَّ السُّورَ يمنع من كان داخله مِن تعدِّيه ومجاوزته، فكذلك الإسلامُ يمنع من دخله من الخُروج عن حدوده ومجاوزتها، وليس وراءَ ما حدَّ الله من المأذونِ فيه إلاَّ ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظينَ لحدوده، وذمَّ من لا يعرف حدَّ الحلال من الحرام، كما قال تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ}. وقد تقدَّم حديث القرآن وأنَّه يقول لمن عمل به: حَفِظَ حدودي، ولمن لم يعمل به: تعدَّى حدودي.

والمراد: أنَّ من لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه، فقد حفظ حدودَ الله، ومن تعدَّى ذلك، فقد تعدَّى حدود الله…”.

فالمقياس الذي يجب أن يتّخذه الناس ليخرجوا من دوامة التيارات التي تتقاذفهم يمنة ويسرة، هو مقياس الحلال والحرام ومدى الالتزام بالإسلام. فلينظر الإنسان إلى مناهج الجماعات والحركات والأحزاب ويقسها بمقياس الشرع، وساعتها سيدرك واقعها وحقيقتها، ويستطيع الحكم عليها أي ليضع المسلم منهج الأحزاب والحركات والجماعات في ميزان الشرع وسيتبيّن له طريق الحقّ.  

فالمنهج هو الطريق الواضح البيّن الذي يسلكه الحزب أو الجماعة للوصول إلى تحقيق غايته. وتحديد المنهج يعني تحديد مصدر استمداده. ومصدر استمداده بالنسبة للحزب الإسلامي هو الشرع.  وعليه، فإن المنهج هو مجموعة من الأعمال موصلة إلى الهدف مستنبطة من الدليل الشرعي. وهذا واضح؛ لأنّ الأعمال عند المسلم يتقيّد فيها بالحكم الشرعي، فما أوجبه الشرع كان واجبا، وما حرّمه كان حراما. قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)} (النساء)، وقال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} (الحجر)، وقال: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة36). قال الشيخ الطاهر في التحرير والتنوير (ج29 ص366): “أي لا يحسب أنه يترك غير مرعيّ بالتكليف كما تترك الإبل، وذلك يقتضي المجازاة. وعن الشافعي: لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى”. 

فالمنهج إذن يتقيد فيه بالحكم الشرعي، ولا يتصور من حزب إسلامي أن يعتمد منهجا غير مبني على أحكام شرعية مستنبطة باجتهاد صحيح من أدلة شرعية معتبرة. ولا يقال إن المنهج لم يحدده الإسلام، فترك للإنسان أن يحدد الأعمال التي يراها موصلة للهدف دون تدخل من الشرع. لا يقال هذا لأمرين: أولهما، أن هذا القول يعارض أدلة التقيد بالحكم الشرعي في كل كبيرة وصغيرة، ويعارض أيضا أدلة كمال الشريعة واستيعابها لكل مشكلة. قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة3). ثانيهما، أن القول بعدم تحديد الشرع للمنهج يبطل قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء59). فإذا كان المنهج لا يخضع للحكم الشرعي، فكيف يعلم الصحيح منه والفاسد عند التنازع؟ لا يعلم ذلك إلا بالردّ إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أي بالردّ إلى الأدلة الشرعية.

قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} (يوسف). فمن كان متبعا للدليل الشرعي، محكما للكتاب والسنّة، كان على بصيرة وحجة ويقين، وأما من كان محكما للمصلحة وإن تعارضت مع النص الصحيح الصريح، وكان متبعا للهوى، كان على غير بصيرة وعلى غير حجة من الله.

05/11/1437هـ