أخطاء منجية السوايحي من خلال مقالها: “اجتهادات نيرة في الفكر الإسلامي”

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

نشرت صحيفة إيلاف، بتاريخ 24\11\2008م، مقالا للدكتورة منجية السوايحي – أستاذة علوم القرآن والتفسير بجامعة الزيتونة – عنوانه: “اجتهادات نيرة في الفكر الإسلامي”.(1) وقد حوى مقال الدكتورة أخطاء كثيرة ومغالطات كبيرة رأينا من واجبنا التصدي لبيانها.

أولا: أخطاء النقل

1. قالت الدكتورة: “في الاصطلاح: الاجتهاد بذل الوسع في نيل حكم شرعيّ علميّ بطريق الاستنباط ( الزّركشي بدر الدين بن بهادر بن عبد الله الشافعي، البحر المحيط في أصول الفقه، 6/ 197 الطبعة الثانية، دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع بالغردقة، القاهرة )”. والصواب – كما هو في المصدر نفسه الذي ذكرته الدكتورة- : “الاجتهاد بذل الوسع في نيل حكم شرعيّ عملي”، وليس “علمي” كما قالت الدكتورة. وقال الزركشي مبرزا الفرق بين العلمي والعملي: “وخرج بالشرعي اللغوي والعقلي والحسي، فلا يسمى عند الفقهاء مجتهدا. وكذلك الباذل وسعه في نيل حكم شرعي علمي وإن كان قد يسمى عند المتكلمين مجتهدا”.

2. قالت الدكتورة: “الاجتهاد في الشريعة هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النّازلة حيث يوجد ذلك الحكم ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم بالديانة فيه. (ابن حزم الأندلسي الظاهري، الإحكام في أصول الأحكام م 2،ج 2،ص 587،الطبعة الثانية، دار الجيل بيروت،1407ه/1978م )”. ومع أنني لم أتمكن من مراجعة طبعة دار الجيل، إلا أن الخلل الواضح في النص يجعلني أرجح الخطأ في النقل، والصواب (اعتمادا على طبعة مطبعة العاصمة- القاهرة، بتحقيق أحمد شاكر، ج2 ص1156): “الاجتهاد في الشريعة هو: استنفاد الطاقة في طلب حكم النّازلة حيث يوجد ذلك الحكم. هذا ما لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالديانة فيه”.

3. قالت الدكتورة: “قال في التحرير والتنوير: “والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أصغر من الرّداء وأكبر من الخمار والقناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلّى على ذراعيها وينسدل سائره على كتفها وظهرها، تلبسه عند الخروج، والسّفر، وهيهات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النّساء تبيّنها العادات، والمقصود وهو ما دلّ عليه قوله تعالى:” ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين”. وكان لبس الجلابيب على شعائر الحرائر، فكانت الإماء لايلبسن الجلابيب، وكانت الحرائر يلبسن الجلابيب عند الخروج إلى الزيارات ونحوها، فكنّ لا يلبسنها في الليل عند الخروج إلى المناصع، وما كنّا يخرجن إليها إلا ليلا، فأمرن بلبس الجلابيب في كلّ خروج ’ ليعرفن أنهنّ حرائر’ فلا يتعرض إليهنّ شباب الدعارة يحسبنهنّ إماء، أو يتعرض إليهن المنافقون استخفافا بهنّ، بالأقوال التي تخجلهنّ فيتأذين من ذلك،وربّما يسببن الذين يؤذونهنّ فيحصل أذى من الجانبين، فهذا من سدّ الذريعة. والإشارة ب”ذلك” إلى الإدناء المفهوم من ” يدنين” أي ذلك اللباس أقرب إلى تعرّف أنّهنّ حرائر بشعار الحرائر، فيتجنّب الرجال إيذائهن فيسلموا ويسلمن.” (التحرير والتنوير،22 / 106 -107)”. وهذه الفقرة فيها أخطاء كثيرة، نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر (يراجع التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور، م11 ج22 ص106-107، دار سحنون للنشر والتوزيع):

·     قالت الدكتورة: “تضعه المرأة على رأسها فيتدلّى على ذراعيها”، والصواب: “تضعه المرأة على رأسها فيتدلّى جانباه على عذاريها”.

·     وقالت الدكتورة: “وهيهات لبس الجلابيب”، والصواب: ” وهيئات لبس الجلابيب”.

·     وقالت الدكتورة: ” فلا يتعرض إليهنّ شباب الدعارة يحسبنهنّ إماء”، والصواب: “فلا يتعرض إليهنّ شباب الدّعار يحسبهنّ إماء”.

4. قالت الدكتورة: “فهذا شرع روعيت فيه عادات العرب، فالأقوام الذين لا يتّخذون الجلابيب لا ينالهم من هذا الشرع نصيب. والتّفقه في هذا والتهمّم بإدراك علل التشريع، لأن يكون أصلا يقاس عليه نظيره وبين ما لا يصلح لذلك فليس الأمر في التّشريع على سواء. ( المقاصد، صص 90-91)”. والصواب: “فهذا شرع روعيت فيه عادة العرب، فالأقوام الذين لا يتّخذون الجلابيب لا ينالهم من هذا التشريع نصيب”. ثم إنّ الدكتورة قد حذفت جملة من الفقرة التي نقلتها دون أن تشير إلى ذلك، فقد قالت: ” والتّفقه في هذا والتهمّم بإدراك علل التشريع، لأن يكون أصلا يقاس عليه نظيره وبين ما لا يصلح لذلك فليس الأمر في التّشريع على سواء”، والصواب: “والتّفقه في هذا والتهمّم بإدراك علل التشريع في مثله يلوح لنا منه بارق فرق بين ما يصلح من جزئيات الشريعة لأن يكون أصلا يقاس عليه نظيره وبين ما لا يصلح لذلك فليس الأمر في التّشريع على سواء”.

5. قالت الدكتورة: “وفي حكم التزيّن يقول أبن عاشور:” وكذلك قد أخطأ بعض المتقدمين في حكم وصل الشّعر للمرأة ذات الزّوج، وتفليج أسنانها وتنميص حاجبيها، فجعل لذلك من التغليظ في الإثم ما ينافي سماحة الإسلام تمسّكا بظواهر أثر يروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسل”،لعن فيه الواصلة والواشمة والمتفلّجة والمتنمّصة وأنا أجزم بأنّ ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك – إذا كان كذلك ورد عنه – إنّما أراد به ما كان من ذلك شعارا لرقّة عفاف نساء معلومات ” ( المقاصد، 111 )”. وأنا أسأل: في أي طبعة من طبعات المقاصد وردت هذه الفقرة بهذا اللفظ؟ 

6. قالت الدكتورة: “فيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهليّة لا تشترك في هذه الشّؤون العامّة فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد”( التحرير والتنوير،3/ 109)”. وبمراجعة التحرير والتنوير، م3 ج3 ص109، دار سحنون للنشر والتوزيع، لم نجد كلمة “العامة”، فهي إضافة من الدكتورة.  

وكما ترى، فإن الدكتورة الأكاديمية أستاذة علوم القرآن والتفسير بجامعة الزيتونة قد أخطأت في جلّ النقول التي نقلتها، ولك أن تسأل عن حال الزيتونة إذا كان أساتذتها لا يحسنون نقل فقرة من كتاب؟ والله المستعان!

ثانيا: أخطاء الفهم

حاولت الدكتورة منجية من خلال مقالها أن تبرز الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله كمفكر نير أبدعت عقليته جملة من الآراء “نال بها – حقاّ – (كما قالت الدكتورة) قصب السبق والتجديد في حقل الاجتهاد وفي حقل الثقافة الإسلامية ممّا يؤكّد إمكانيّة التّجديد في الفكر الدّيني في كل مصر وفي كل عصر متى توفّرت العزائم الصّادقة والعقول المتفتحة”. ولإبراز هذا الجانب النير في فكر الشيخ الطاهر ذكرت الدكتورة جملة من الأمثلة:

1. المثال الأول: “فتوى في لبس قلنسوة أهل الكتاب”.

لكي تثبت الدكتورة منجية أن الشيخ الطاهر قد أفتى بفتاوى تخالف المعهود وتتجاوز التقليد ضربت مثال “فتوى لبس قلنسوة أهل الكتاب”، ولو فكرت الدكتورة قليلا لوجدت أن هذا المثال لا يفيدها فيما تروم إثباته؛ ذلك أن الشيخ الطاهر رحمه الله أيّد ما كتبه محمد عبده ووافقه عليه، وهذا يعني أنه لم يكن له “قصب السبق” في هذه الفتوى، بل سبقه إليها محمد عبده. فالفتوى المتعلقة بجواز لبس قلنسوة الكفار، حرّرها محمد عبده ابتداء واشتهر بها، فأرسل الشيخ الطاهر رحمه الله تأييده للفتوى، فنشرت على صفحة المنار (في 16 ذي الحجة 1321هـ). ومما جاء فيها: “إلى العلامة النقَّاد السيد منشئ المنار الأغر: لقد كنت أحب أن أوجه إلى مناركم شيئا من قوادح أفكاري، وأنيط بقمته العليا قبسا من ناري، وما كنت أحسب أن سيكون أول شيء أنبئكم فيه برأيي مسألتين كثر فيهما اللغط والاختلاف بالقطر المصري وقطرنا، ولكن من البخت أن استهتار الناس وتهافتهم على مهواة الغلط في هاتين المسألتين شفع ميلي إلى مخاطبتكم… في هاتين المسألتين وهما: مسألة أكل موقوذة الكتابي ونحوها من طعامه، ومسألة لبس قلنسوة أو نحوها من لباس غير المسلمين، اللتان أفتى فيهما ذلك الأستاذ الإمام مفتي الديار المصرية بالجواز لبعض مسلمي الترانزفال وبأن ذلك بما لا مطعن فيه، ولا متوقف بعد النظر إليه، ولكن بعض من يستهويه حب الهذيان، والحكم فيما لا ترضى فيه حكومته من مسائل الأديان، أبى أن يلقي عصا التسليم، ووجدها فرصة للطعن في رجل من العلماء عظيم… أحببنا أن نصدع بكلمات لنا ليعلم أهل الحق أن لهم نصراء لا يزالون ظاهرين…”.

وكما ترى فقد صرّح الشيخ هنا بأنه نصير للحق أي مؤيد للفتوى التي سبقه إلى تحريرها محمد عبده، فهو إذن لم يزعم السبق، ومع ذلك فقد نسبته له الدكتورة بقولها.  

2. المثال الثاني: “فتوى لبس الجلابيب”. 

قالت الدكتورة: “قال في التحرير والتنوير: “والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أصغر من الرّداء وأكبر من الخمار والقناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلّى على ذراعيها وينسدل سائره على كتفها وظهرها، تلبسه عند الخروج، والسّفر، وهيهات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النّساء تبيّنها العادات، والمقصود وهو ما دلّ عليه قوله تعالى:” ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين”. وكان لبس الجلابيب على شعائر الحرائر، فكانت الإماء لايلبسن الجلابيب، وكانت الحرائر يلبسن الجلابيب عند الخروج إلى الزيارات ونحوها، فكنّ لا يلبسنها في الليل عند الخروج إلى المناصع، وما كنّا يخرجن إليها إلا ليلا، فأمرن بلبس الجلابيب في كلّ خروج ’ ليعرفن أنهنّ حرائر’ فلا يتعرض إليهنّ شباب الدعارة يحسبنهنّ إماء، أو يتعرض إليهن المنافقون استخفافا بهنّ، بالأقوال التي تخجلهنّ فيتأذين من ذلك،وربّما يسببن الذين يؤذونهنّ فيحصل أذى من الجانبين، فهذا من سدّ الذريعة. والإشارة ب”ذلك” إلى الإدناء المفهوم من ” يدنين” أي ذلك اللباس أقرب إلى تعرّف أنّهنّ حرائر بشعار الحرائر، فيتجنّب الرجال إيذائهن فيسلموا ويسلمن.” (التحرير والتنوير،22 / 106 -107)”.

فهذه الفقرة نقلتها الدكتورة عن التحرير والتنوير لتثبت من خلالها أوجه الاجتهاد النير عند الشيخ الطاهر، ولكن أين هذا الاجتهاد المزعوم؟

إنّ هذه الفقرة لم تتضمن أي نوع من الإفتاء أو الاجتهاد، إنما تضمنت:

1.   تحرير المعنى اللغوي لكلمة “جلابيب”، وهذا المعنى نقله الشيخ الطاهر عن كتب اللغة.

2.   تحرير واقع لبس الجلابيب، وأنه مختلف باختلاف أحوال الناس وعاداتهم. وهذا الحكم من الواقع أي هو تقرير واقع، وليس باستنباط تشريعي؛ لأنّ الاجتهاد هو استنباط الحكم من النص الشرعي، والشيخ رحمه الله لم يستنبط الحكم من آية أو حديث، إنما قررّه بناء على ثبوته في الواقع. ومراد الشيخ من هذا، أن الجلباب الذي أمر الله سبحانه به معلوم واقعه من حيث هو لباس ساتر “تضعه المرأة على رأسها فيتدلّى جانباه على عذاريها وينسدل سائره على كتفها وظهرها”، أما هيئاته فمختلفة لاختلاف عادات الناس.

3.   تقرير سبب النزول، وهذا ذكرته كل كتب التفسير. فلتراجع الدكتورة تفسير الطبري، وابن كثير، والقرطبي وغيرهم.

ويبدو أن الدكتورة التي تسعى جاهدة لتبرير سفورها، قد ظنت أنها عثرت على بغيتها ووجدت في كلام الشيخ الطاهر ما يبرّر عدم لبسها للخمار والجلباب، لذلك نقلت النّص وجعلته من الفتاوى النيرة. وهذا بلا ريب من أوهامها، إذ فهمت النص وفق هواها وما تشتهيه نفسها، وأما النص في ذاته فيخالف في منطوقه ومفهومه أمانيها.

3. المثال الثالث: “الفتوى في الزّينة والجلباب والجلابيب أيضا”.

 كررت الدكتورة في المثال الثالث ذكر فهم الشيخ الطاهر لحكم لبس الجلباب، فنقلت عنه من المقاصد قوله: “فهذا شرع روعيت فيه عادة العرب، فالأقوام الذين لا يتّخذون الجلابيب لا ينالهم من هذا التشريع نصيب”. وكما أسلفنا، فإن الدكتورة تسعى جاهدة لتبرير سفورها، وقد ظنت هنا أيضا أنها عثرت على فتوى تبيح لها خلع الخمار؛ لذلك أتت بنص قد يفهم منه ما تشتهيه. والصحيح في المسألة، أن الشيخ الطاهر رحمه الله تعالى يميّز بين أمرين: بين تغطية الرأس والشعر والجسد أي تغطية عورة المرأة التي قررها الشرع، وبين اللباس المحقق لذلك. أما عورة المرأة فيجب عليها سترها. قال الشيخ الطاهر (في التحرير والتنوير، م9 ج18 ص205-207): “وانتقل من ذلك إلى نهي النساء عن أشياء عرف منهن التساهل فيها ونهيهن عن إظهار أشياء تعوّدن أن يحببن ظهورها وجمعها القرآن في لفظ الزينة بقوله (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)… والتزين يزيد المرأة حسنا ويلفت إليها الأنظار لأنها من الأحوال التي لا تقصد إلا لأجل التظاهر بالحسن فكانت لافتة أنظار الرجال، فلذلك نهي النساء عن إظهار زينتهن إلا للرجال الذين ليس من شأنهم أن تتحرك منهم شهوة نحوها لحرمة قرابة أو صهر. واستثني ما ظهر من الزينة وهو ما في ستره مشقة على المرأة أو في تركه حرج على النساء وهو ما كان من الزينة في مواضع العمل التي لا يجب سترها مثل الكحل والخضاب والخواتيم… فمعنى (ما ظهر منها) ما كان موضعه مما لا تستره المرأة وهو الوجه والكفان والقدمان… أما ما كان محاسن المرأة ولم يكن عليها مشقة في ستره فليس مما ظهر من الزينة مثل النحر والثدي والعضد والمعصم وأعلى الساقين، وكذلك ما له صورة حسنة في المرأة وإن كان غير معرى كالعجيزة والأعكان والفخذين ولم يكن مما في إرخاء الثوب عليه حرج عليها…”. وهذا النص يوضح موقف الشيخ الطاهر، وأنه يرى وجوب ستر العورة التي قررها الشرع. وأما بماذا يتحقق ستر هذه العورة، فلنترك الأمر للدكتورة لتختار الهيئة التي تشتهيها أو التي لا تخالف عاداتها التونسية.

وأما القسم الثاني من المثال الثالث فيتعلق برأي الشيخ الطاهر في الزينة – كما قالت الدكتورة -. وهذه المرة قد أحسنت فيها الدكتورة الفهم، إذ إن الشيخ الطاهر رحمه الله قد تفرّد – حسب علمي- بفهم معين للمسألة. فقد قال الشيخ (في المقاصد، ص89-90 طبعة دار سحنون 2007م): “… في حديث ابن مسعود: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم “لعن الواصلات والمستوصلات والواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله” فإن الفهم يكاد يضل في هذا إذ يرى ذلك صنفا من أصناف التزين المأذون في جنسه للمرأة كالتحمير والخلوق والسواك فيتعجب من النهي الغليظ عنه. ووجهه عندي الذي لم أر من أفصح عنه، أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها”.    

ومع أنّ الدكتورة قد أصابت في فهمها هذه المرّة، وعرضت فهما مميّزا لدى الشيخ الطاهر، إلا أنها أساءت له من حيث لا تشعر. فقد نقلت الدكتورة عن الشيخ قوله: “وأنا أجزم بأنّ ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك – إذا كان كذلك ورد عنه – إنما أراد به…”، وأكدّت هذا الرأي بتعليق للشيخ محمود شمام قال فيه – كما نقلت الدكتورة -: “وما ورد من نهي على فرض صحته وصحة سنده فالمقصود به نساء في ذلك العصر”. وليلاحظ القارئ الكريم عبارة: “إذا كان كذلك ورد عنه”، وعبارة “على فرض صحته وصحة سنده”، وكأنّ الشيخ الطاهر قد شكّك في سند حديث رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم. فهل يشكّك الشيخ في حديث ثبت بعضه في الموطأ، وثبت في الصحاح والسنن؟  

4. المثال الرابع: “فتوى شهادة المرأة”. 

قالت الدكتورة: “ليست الشهادة هي الغرض الأساسي في قوله تعالى: “واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان”(القرة:282 ). جلّ المفسّرين اعتبروا المرأة ناقصة عقل ولذلك لاتجوز شهادتها في الدّيون إلا” بحضور امرأة ثانية ورجل. يرى ابن عاشور أن الغرض الأساسي من حضور امرأتين في الشهادة على الّين تشريك المرأة التي كانت معزولة عن الأنشطة التي اختص بها الرّجال فقال عن حضورهما: “فيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهليّة لاتشترك في هذه الشّؤون العامّة فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد” (التحرير والتنوير،3/ 109 ). فيؤكّد أن القرآن لم يجعل” المرأتين مقام الرّجل الواحد لنقص في خلقها أو عقلها كما يحاول خصوم نهضتها إثباته، فلو أنّ الأمر لم يبعد أجله كالدّيون وكان أمرا يشاهد بالعين أو يسمع بالأذن فهل نتّهم المرأة هنا بنقص في أخلاقها وهو غير ما علّل به القرآن تبعيض شهادتها في توثيق الدّيون” على حدّ عبارة الطّاهر الحدّاد في كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع”.

أقول: بغض النظر عن الأخطاء وركاكة التعبير في هذه الفقرة، أين الاجتهاد النير الذي أبدعته عقلية الشيخ الطاهر فأتى بما لم يسبقه إليه أحد؟

فقصد الدكتورة من هذه الفقرة إثبات احترام الشيخ للمرأة، وأنه لم يعتبرها ناقصة عقل ودين، ولكنها لم تستطع إثبات هذا الكلام من تفسير الشيخ، فأكدته بكلام الطاهر الحداد. ولك أن تسأل: ما علاقة الطاهر الحداد بالطاهر ابن عاشور؟

ثمّ، كيف تفسر لنا الدكتورة قول الشيخ الطاهر (في التحرير والتنوير، م3 ج3 ص109): ” فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلل ذلك بقوله “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى”، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيان لأن المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلة بحسب الغالب…”. وقوله (في التحرير والتنوير، م3 ج3 ص112): “فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها وقلة ضبط ما يهم ضبطه، والتعدد مظنة لاختلاف مواد النقص والخلل، فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى”.  

خاتمة

لم يكن القصد من كتابة هذا المقال مناقشة فكر الشيخ الطاهر رحمه الله، فهو علم من الأعلام الذين يستحقون منا العناية بتراثهم والاستفادة من إبداعاتهم، ولعل الله سبحانه وتعالى يقيّض لتراث هذا الشيخ من المحققين من يبرز حقيقة مدى تجديده وإبداعه.

 ولم يكن القصد أيضا مناقشة الأفكار والآراء التي تدعو إليها الدكتورة منجية، إنما كان القصد إبراز حقيقة هذه الدكتورة ببيان أخطائها في النقل والفهم. وللقارئ الكريم، أن يتصور واقع الزيتونة الآن وفيها أمثال هذه الدكتورة.

وتختم بأبيات لأبي الحسن بن المفضل المقدسي قال فيها:

تصدّر للتدريس كل مهوّس    بليد تسمى بالفقيه المدرّس

فحقّ لأهل العلم أن يتمثّلوا    ببيت قديم شاع في كلّ مجلس

لقد هزلت حتى بدا من هزالها   كلاها وحتى سامها كلّ مفلس

ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان.

28 ذو القعدة 1429هـ

_________________________

(1) يراجع المقال على هذا الرابط:http://www.elaph.com/Web/ElaphWriter/2008/11/385603.htm