السياسة والدعوة (1)

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

خلق الله عزّ وجلّ الإنس لحكمة بيّنها في كتابه العزيز حيث قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. ثمّ أرسل الله سبحانه الرسل مبشّرين ومنذرين، داعين إلى الهدى والتقى، عاملين على إخراج الناس من ظلمات الهوى إلى نور الوحي. وكان آخر الرسل، مصباح الدجى وعلم الهدى، الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الذي كشف الغمّة ونصح للأمّة، فقال: “ثلاث مهلكات وثلاث منجيات… فأمّا المهلكات: فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية…” (رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر).     

إنّ الهوى، وهو ميل النفس إلى ما تحبّه وتشتهيه دون تقيّد بضوابط الشرع وأصوله أو بمقاييس التفكير وقواعده، آفة فتّاكة تفتك بالأمم والشعوب، فتذهب بالعقول وتفسد الرأي وتعمي البصر. وحسبك في ذمّ الهوى قوله تعالى:{وَلا تَتَّبِع الهوَى فَيُضِلَّك عن سَبِيلِ اللَّهِ}. وعن ابن عباس قال: “ما ذكر الله تعالى الهوى إلا ذمّه”. وصدق من قال:

إِذا رأيتَ الهوى في أمةٍ حكما   فاحكمْ هنالك أن العقل قد ذهبا

ويدخل الهوى شتى المجالات، فيكون في الاعتقاد والأقوال والأعمال، ويكون في المسائل الشرعية وفي القضايا العقلية، ويكون في التعليم والاجتماع والاقتصاد والحكم وغير ذلك. وسنعتني في هذا المقال بمجال يكثر دخول الهوى فيه، وهو مجال السياسة.

ودخول الهوى السياسة أمر ليس بالجديد، إذ لابسها منذ تلبس الإنسان بالسياسة واعتنى بها. وقد خصّص ابن الجوزي (رحمه الله) الباب السابع من كتابه (التلبيس) لبيان تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين، ومما جاء فيه قوله: “والخامس أنه يحسن لهم العمل برأيهم فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحل قتله، ويوهمهم أنّ هذه سياسة، وتحت هذا من المعنى أنّ الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام ونحن نتمها بآرائنا. وهذا من أقبح التلبيس؛ لأنّ الشريعة سياسة إلهية ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق، قال الله عز وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} وقال: {لا معقّب لحكمه}، فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة، وهذا يزاحم الكفر. وقد روينا عن عضد الدولة أنه كان يميل إلى جارية فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها لئلا يشتغل قلبه عن تدبير الملك، وهذا هو الجنون المطبق؛ لأنّ قتل مسلم بلا جرم لا يحل، واعتقاده أن هذا جائز كفر، وإن اعتقده غير جائز لكنه رآه مصلحة فلا مصلحة فيما يخالف الشرع”.

وقد اختصر لنا ابن الجوزي أساس الهوى في السياسة، فبيّن أنّ حاصله الإعراض عن النصّ والحكم الشرعي، وتحكيم الشهوة لعلّة ما عند صاحبها، وأنّ مزلّة قدم السياسي توهمه المصلحة في خلاف ما جاء به الشرع. وهذا الداء له أعراض كثيرة، ويظهر في مظاهر متنوعة، ومن مظاهره الدعوة إلى الفصل بين السياسة والدعوة، والتفريق بين السياسي والدعوي، حتى إنّ أحدهم أعرض عن فقه الحكم الشرعي في وثيقة حوت من الطامّات والمخالفات الشرعية ما لا يعدّ ولا يحصى، قائلا: إنه ينظر إليها من زاوية السياسة لا من زاوية الدعوة، وإنه يحكم عليها كسياسي وليس كداعية.

ولما كانت هذه الدعوة دعوة خطيرة مؤدّاها الفصل بين الدين والسياسة، ومغزاها إطلاق العنان للعقل فيقبّح ويحسّن،  ويعيّن المصالح دون قيد من الشرع وضابط من النّص، فقد وجب التصدّي لها، وبيان فسادنها وبطلانها.

معنى السياسة: 

جاء في لسان العرب لابن منظور: “سَاس الأَمرَ سِياسةً قام به… ويقال سُوِّسَ فلانٌ أَمرَ بني فلان أَي كُلِّف سِياستهم… وفلان مُجرّب قد ساسَ وسِيسَ عليه أَي أَمَرَ وأُمِرَ عليه، وفي الحديث كان بنو إِسرائيل يَسُوسُهم أنبياؤهم أَي تتولى أُمورَهم كما يفعل الأُمَراء والوُلاة بالرَّعِيَّة، والسِّياسةُ القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه. والسياسةُ فعل السائس يقال: هو يَسُوسُ الدوابَّ إِذا قام عليها وراضَها…”.

وفي تاج العروس للزبيدي: “ومن المجَازِ: سُسْتُ الرَّعِيَّةَ سِيَاسَةً بالكَسْرِ: أَمَرْتُهَا ونَهَيْتُهَا. وساسَ الأَمْرَ سِيَاسَةً: قامَ به… والسِّيَاسَةُ: القِيامُ على الشْيءِ بما يُصْلِحُه”.

وفي المفردات للراغب الأصفهاني: “ويسمى كل سائس لنفسه أو لغيره راعيا وروي: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)”.

فكلمة “السياسة” إذن، وهي كلمة عربية فصيحة، تطلق في الأصل على رعاية الدّابة وترويضها، ثم استعملت مجازا في رعاية أمور الناس، وتدبير شؤونهم.

ومن شواهد استعمال اللفظ على الحقيقة أي على رعاية الدّابة:

أخرج مسلم في صحيحه عن ابن أبي مليكة أن أسماء (بنت أبي بكر) قالت: “كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه. قال: ثم إنها أصابت خادما، جاء النبي صلى الله عليه وسلم سبي فأعطاها خادما، فقالت: كفتني سياسة الفرس، فألقت عني مؤنته”.

ومن شواهد استعمال اللفظ على سبيل المجاز أي بمعنى تولي أمر الناس ورعاية شؤونهم:

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء تكثر، قالوا: فما تأمرنا، قال: فو ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم”.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن المستظل بن حصين قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: “قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب. فقام إليه رجل من المسلمين فقال: متى يهلكون يا أمير المؤمنين؟ قال: حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية ولم يصحب الرسول”. وأخرجه ابن الجعد في مسنده بلفظ: “والله لقد علمت متى تهلك العرب، إذا ساسهم من لم يصحب الرسول…”. وأخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ: “قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب، إذا ولي أمرهم من لم يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعالج أمر الجاهلية”، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

معنى الدعوة:

الدعوة: من الدّعاء، والدعاء إلى الشيء: الحثّ على قصده.

أمّا في الاصطلاح فقد قيل: “هي قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة”. وقيل: “هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَّتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم، وليستكشفوا معالم الطريق الَّتي تجمعهم راشدين”. وقيل: هي” السعي لنشر دين الله، عقيدة وشريعة وأخلاقًا، وبذل الوسع في ذلك”. وقيل:” الدعوة إلى الله تعني الدعوة إلى الإيمان بالله وبما جاءت به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطاعتهم فيما أمروا به، والانتهاء عما نهوا عنه على أن توجه إلى كل الناس في كل زمان ومكان”. وقيل أيضا:” الدعوة إلى الإسلام هو الطلب من الناس الدخول في طاعة الله، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والالتزام بشرائعه أي التدين بالدين الإسلامي الحنيف الذي اختاره الله تبارك وتعالى لخلقه والعمل بتعاليمه”.

وعليه، فالدعوة إلى الإسلام هي الحثّ على قبول الإسلام، أو هي طلب قبول مجموع الأفكار والأحكام الشرعية.

حمل الدعوة عمل الأنبياء (عليهم السلام)

عمل تبليغ الدعوة وحملها إلى الناس كافة، هو عمل الأنبياء والمرسلين. فهو أشرف عمل وأكرمه، وهو أفضل عمل وأحسنه. {وَمَن أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِن الْمُسْلِمِينَ (33)} (فصلت).

ومن المعلوم أنّ الرسول هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي هو من أوحي إليه بشرع غيره وأمر بتبليغه، فالتبليغ إذن هو عمل الأنبياء والمرسلين. قال الله تعالى في معرض تكريمه للنبي صلى الله عليه وسلم بخاصة، وللمؤمنين بعامة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46)} (الأحزاب).

حمل الدعوة فرض

إنّ مما اختصت به الأمة الإسلامية وجوب حملها للدعوة إلى الناس كافة. قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ}(الأنعام). وقال: {وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} (آل عمران). وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…} (النحل). وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بلّغوا عني ولو آية…”. وأخرج ابن ماجه عن زيد بن ثابت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلّغها. فرب حامل فقه غير فقيه. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه”. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله…”. وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: “انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم”. 

فهذا الذي يقول إنه سياسي وليس بداعية، قد أساء فهم معنى السياسة كما سيأتي بيانه، وحرم نفسه من خير الدعوة إلى الإسلام، وأعرض كبرا وجهلا عن عمل الأنبياء كلّهم، وجهل الفرض الذي فرضه الله سبحانه عليه.

يتبع إن شاء الله تعالى….

16 جمادى الأولى 1428هـ