مشكلة الطفولة في تونس

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

“يتعرض أكثر من 92 بالمائة من الأطفال التونسيين للعنف بمختلف أشكاله, وفق ما كشفته وزيرة المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي, في تصريحات صحفية على هامش إشرافها على ورشة عمل حول ظاهرة العنف الموجه ضد الأطفال إنعقدت اليوم الخميس 17 نوفمبر 2016. وأضافت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة التونسية أن 32 بالمائة من مجموع الأطفال الذين يتعرضون للعنف يعانون من العنف الجسدي داخل الإطار الأسري وخارجه. وتم تحديد نسبة تعرض الأطفال التونسيين للعنف وفق عمليات مسوحات عنقودية متعددة المؤشرات تنجزها وزارة المرأة والأسرة والطفولة كل 4 سنوات. ومع تنامي العنف الموجه ضد الأطفال في تونس تنكب السلطات ذات العلاقة بهذا الملف منذ فترة على تنظيم ورشات عمل بالتعاون مع منظمة اليونسيف لوضع استراتيجية الخطة الاتصالية للوقاية من العنف الموجه ضد الطفل في المحيط الأسري” (عن بوابة إفريقيا الإخبارية).

ليست هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها السلطات التونسية عن الوضع المأساوي والكارثي للطفل التونسي في البلد؛ إذ سبق وأن صدرت دراسات مماثلة كالنشرية الإحصائية لـ “نشاط مندوبي حماية الطفولة – 2014 ” العدد الثاني – فيفري 2015 التي تحدثت عن الطفولة المهددة في تونس، وسبق وأن كشفت قضايا فاضحة متعلقة بالاستغلال الجنسي للأطفال في تونس كقضية الفرنسي الذي اغتصب 41 طفلا. والعجيب في الأمر أنّ تونس قد احتلت “المرتبة الأولى عربيا والعاشرة عالميا، في مؤشر حقوق الأطفال لعام 2016، الذي أصدرته منظمة حقوق الاطفال الخميس 16 يونيو/حزيران، وشمل 163 دولة، من بينها 17 دولة عربية… ويصنف المؤشر جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، التي صادقت على اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، وهي 163 دولة، حيث استندت المنظمة في التقرير إلى مؤشرات كالحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في الحماية، والبيئة الملائمة لحقوق الأطفال”. وهنا يرد سؤال: كيف لتونس التي احتلت رتبة عالمية متقدمة في مجال حقوق الأطفال أن يكون الوضع الحقيقي والواقعي فيها على خلاف ما تفترضه رتبتها العالمية؟

والجواب: أنّ التصنيفات العالمية التابعة لمنظمة اليونسيف تخضع لمقاييس نظرية غير عملية، فتونس التي تمتلك مجلة حماية الطفل الصادرة سنة 1995م ملأت مجلتها بقوانين تتماشى مع رؤية الغرب ونظرته إلى الطفولة، الأمر الذي يجعل الغرب بمؤسساته يميل إلى الثناء عليها وإبرازها كمجلة رائدة. ولهذا نقرأ على بعض الصفحات الرسمية ما يلي: ” لقد بادرت تونس بالمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل منذ سنة 1991. كما تولت إصدار مجلة حماية الطفل سنة 1995 والتي تعتبر مكسبا تشريعيا رائدا انفردت به تونس في محيطها العربي والاسلامي والإفريقي، مما أهلها أن تكون ضمن طليعة البلدان التي سنت تشريعات متطورة لفائدة الطفولة”. وأما واقع الحال فيختلف كلّيا؛ لأن العقلية التونسية الحالية عقلية نظرية تنظيرية تبدع في نسج الشعارات التي هي عبارة عن حبر على ورق. فنحن نقرأ في مجلة حماية الطفل ما يلي:

“تهدف هذه المجلة في إطار الهوية الوطنية التونسية والشعور بالانتماء الحضاري إلى تحقيق الغايات التالية:

1) الارتقاء بالطفولة بما لها من خصوصيات ذاتية تميز إمكانياتها الجسمية وميولاتها الوجدانية وقدراتها الفكرية ومهاراتها العملية إلى مستوى ما توجبه من رعاية تهيئ أجيال المستقبل بتأكيد العناية بأطفال الحاضر.

2) تنشئة الطفل على الاعتزاز بهويته الوطنية، وعلى الوفاء لتونس والولاء لها، أرضا وتاريخا ومكاسب والشعور بالانتماء الحضاري، وطنيا ومغاربيا وعربيا وإسلاميا مع التشبع بثقافة التآخي البشري والانفتاح على الآخر، وفقا لما تقتضيه التوجهات التربوية العلمية.

3) إعداد الطفل لحياة حرة مسؤولة في مجتمع مدني متضامن قائم على التلازم بين الوعي بالحقوق والالتزام بالواجبات، و تسوده قيم المساواة والتسامح والاعتدال.

4) تنزيل حقوق الطفل في الرعاية والحماية في مجرى الاختيارات الوطنية الكبرى التي جعلت من حقوق الإنسان مثلا سامية توجه إرادة التونسي وتمكنه من الارتقاء بواقعه نحو الأفضل على نحو ما تقتضيه القيم الإنسانية.

5) نشر ثقافة حقوق الطفل والتبصير بخصوصياتها الذاتية بما يضمن تناسق شخصيته وتوازنها من ناحية ورسوخ الوعي بالمسؤولية تجاهه من قبل أبويه وعائلته والمجتمع بأسره من ناحية أخرى.

6) تشريك الطفل بالطرق الملائمة في كل ما يعنيه واحترام حقوقه وتعزيزها، باعتبار مصلحته الفضلى، حتى ينشأ على خصال العمل والمبادرة وأخلاقيات الكسب الشخصي وروح التعويل على الذات.

7) تنشئة الطفل على التحلي بالأخلاق الفاضلة مع ضرورة تنمية الوعي لديه باحترام أبويه ومحيطه العائلي والاجتماعي”.

وهذه الكلمات الرنانة المرصوصة رصا والمصفوفة صفا أبدعتها عقلية التجميل التي تتزين بما ليس فيها. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». فالواقع لا علاقة له بالتشريعات القانونية التي تزعم دولة الحداثة الريادة فيها؛ لأنّ الواقع مرتبط بمنظومة الأفكار والمشاعر السائدة بين الناس وبالنظام العام العملي الفوضوي القائم على العلاقات. فواقع الطفولة إذن هو نتيجة للمجتمع الذي وجد فيه الطفل، وهو المجتمع القائم على مفاهيم الانتهازية والاستغلال الخالي من قيم الدين والأخلاق. وبناء عليه، فلا يمكن عزل واقع الطفولة في تونس عن واقع المجتمع ككل، وإذا أردنا التغيير الحقيقي فعلينا العمل على تغيير المجتمع ككل؛ بأفكاره ومشاعره وأنظمته. وإن الإسلام بمجموع أفكاره ومشاعره وأنظمته هو المبدأ الصحيح الصالح لمعالجة مشاكل المجتمع وتغييره التغيير الحقيقي الإيجابي؛ لأن الحداثة العلمانية الديمقراطية منظومة فاشلة ولا أدل على فشلها من واقع الطفولة في الغرب. فانظروا إلى أطفال أوروبا، انظروا إلى أخلاقهم وسلوكهم وبؤسهم وأمراضهم النفسية وسترون أن المثال الذي نقلّده فاشل.