فكرة التّسامح عند الغرب بين النظرية والممارسة

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

إنّ الأفكار التي يتوصل إليها العقل البشري ليقدمها للبشرية كقواعد ضابطة للسلوك، ومناهج مرتبة للفهم، ومقاييس محددة للأعمال، وأنماط عيش، وقيم مبتغاة، لا قيمة لها إلا إذا مورست وطبقت. فلا معنى لعظمة الفكر، ولا قيمة لصدقه، ولا ميزة لعمقه إذا أبقيناه في حيز النظر، وفشلنا في ممارسته في الحياة.

والعقل الغربي، عقل أنتج حضارة قوية، وأسس نهضة عظيمة، وبنى مجتمعات مميزة، وأقام دولة رائدة. إلا أنه أبتلي منذ ميلاد حضارته، وبزوغ فجر نهضته، وبروز نزعته لقيادة العالم، بداء الفصل بين النظرية والممارسة.

فلمّا يجف دم الثورة الفرنسية (1789م) بعد، حتى خرج نابليون بونابرت لاحتلال مصر (1798م)، وانطلق الجنرال روشامبو Rochambeau لاحتلال هايتي Haïti (1803م) مصطحبا معه كلابا متوحشة مدربة، وكان يقول لرجاله إذا جاعت كلابه:” أطعموهم السود”.[1]

لقد قامت الثورة الفرنسية على شعار “أخوة، مساواة، عدالة”. ونصّ إعلان الثورة في جمله الأولى على أنّ “الناس يولدون ويبقون أحرارا ومتساوين في الحقوق”.[2] إلاّ أن هذا الشعار المتضمن لنظرية مثالية عن الإنسان صاغها مفكرو التنوير، لم يطبق على مصر، والجزائر، وتونس وغير ذلك من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية.  

وفي هذا العصر الحديث، لم يمض عقد من الزمن على الإعلان العالمي لمبدأ التسامح[3]، حتى طلع علينا الغرب بفكرة منع الخمار على النساء المسلمات أو منع ما يطلق عليه “الحجاب”.

إنّ ظاهرة الفصل بين النظرية والممارسة أو القطيعة بين الفكر والسلوك لدى الغرب، ظاهرة حرية بالنظر، خصوصا وقد ارتبطت اليوم بفكرة التسامح. هذه الفكرة التي أصبحت كما يقولون علامة مميزة من علامات العصر الحديث، وأسا من أسس بناء المجتمعات، وقاعدة من قواعد التفكير والسلوك تضمن العيش الآمن، والحياة المنسجمة في ظلّ فسيفساء البشر.

فكرة التسامح عند الغرب

ظهرت فكرة التسامح عند الغرب في القرون الوسطى أو ما يسمى بعصر النهضة والإصلاح في فترة تميزت بسلطة مطلقة للكنيسة على الحياة والدولة والمجتمع والفرد. ثمّ تركزت الفكرة كقيمة أخلاقية ذات دلالات سياسية ومجتمعية في القرن 18م أو ما يعرف بعصر التنوير.  وممن ساهم في إبراز هذه الفكرة من المفكرين في تلك الحقبة من الزمن، نذكر: جاكوب آكونتيوس Acontius (ت 1566م؟) و ارازموس Erasmus (ت 1536م) وجان بودان Bodin (ت 1596م) وبلتازار هوبماير Hübmaier (ت 1528م) وجون آلتسيوس Althusius (ت 1638م) وجون لوك John Locke (ت 1704م) صاحب الرسالة الشهيرة المعروفة بعنوان “رسالة عن التسامح”. A Letter concerning Toleration  و فولتير Voltaire (ت 1778م) صاحب العمل الشهير: “TRAITE SUR LA TOLERANCE” .

وقد شهدت فكرة التسامح عند الغرب تطورا في مدلولاتها عبر السنين مواكبة لتطور الفكر الغربي نفسه عن العالم والحياة. فخرجت بذلك من طور المحلية أي التسامح بين أفراد الشعب الواحد إلى طور العالمية أي التسامح بين البشر جميعا، ومرّت “من مرحلة التنازل إلى مرحلة الاعتراف بالحقّ ثمّ إلى احترام هذا الحقّ.”[4] وقد أصبحت هذه الفكرة اليوم تدلّ على قيمة ذات مضمون أخلاقي، وثقافي، وسياسي، ومجتمعي يشمل كل جوانب الحياة، وأضحت ركيزة من ركائز المجتمعات، وأسا من الأسس المنظمة للعلاقات بين البشر بصفتهم الفردية أو الجمعية.

وأما من ناحية المفهوم، فقد عرّف التسامح بتعريفات عدة تخضع لزاوية نظر المعرّف، وفلسفته، واهتمامه المعرفي. إلا أنّ تعدد التعريفات لم يمسّ بجوهر الفكرة نفسها من حيث هي “قبول اختلاف الآخرين، سواء في الدين أم العرق أم السياسة، أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين أو إكراههم على التخلي عن آخريتهم”.

ومن تعريفات التسامح ما يلي:

  • “موقف يتجلى في الاستعداد لتقبل وجهات النظر المختلفة فيما يتعلّق باختلافات السلوك والرأي دون الموافقة عليها. ويرتبط التسامح بسياسات الحرية في ميدان الرقابة الاجتماعية حيث يسمح بالتنوع الفكري والعقائدي على أنه يختلف عن التشجيع الفعال للتباين والتنوع..” [5]
  • ·       “عملية التسامح هي السماح بما هو في جملته غير مقبول. وتحديدا السماح بآراء دينية وطرق تعبد في دولة ما رغم اختلافها أو تناقضها مع ما هو قائم الذات في تلك الدولة على أسس كنسية أو عقدية معينة. وذلك بناء على التحرر من التعصب والتشدد في الحكم على آراء أو عقيدة الآخرين…”[6]
  • التسامح “هو كينونة الإنسان. إننا جميعا ممتلئون بالحماقات والأخطاء، فهل نعفو بعضنا عن بعض تفاهاتنا؟ هذا هو أوّل قوانين الطبيعة.”[7]
  • التسامح “موقف يتجلى في قبول كيفية تفكير أو عمل عند الآخر تختلف عما نتبناه نحن”.[8]
  • التسامح هو “موقف فكري أو قاعدة سلوكية يتجلى في ترك الحرية لكل أحد من أجل التعبير عن أرائه حتى وإن لم نشاطره الرأي فيها”.[9]
  • التسامح يعني “احترام وتقدير وقبول التنوع الثري لثقافات عالمنا، ومختلف أنماطنا التعبيرية، وطرق تحقيق كينونتنا الإنسانية. وهو ما يتدعم بالمعرفة، والانفتاح، والتواصل، وبحرية التفكير والضمير والتدين. إنّ التسامح تناسق في اختلاف. وهو ليس بواجب أخلاقي فقط، بل هو أيضا مطلب سياسي وحقوقي. إنّ التسامح هو الفضيلة التي تجعل من السلام ممكنا، وتسهم بذلك في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب.          

ولا يعتبر التسامح مجرد إقرار، ولا مجرد تنازل أو تجاوز بل هو فوق ذلك موقف فعال مدعوم بالاعتراف بالحقوق العالمية للإنسان وحريات الآخرين الأساسية. ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يستخدم لتبرير الإخلال بهذه القيم الأساسية. وعلى الفرد، والجماعات والدول أن تطبق التسامح.

إنّ التسامح يعني تحمّل مسؤولية المصادقة على حقوق الإنسان، والتعددية (ومن ضمنها التعددية الثقافية)، والديمقراطية وسيادة القانون. وهو يتضمن أيضا رفض الدغمائية، والمطلقية…    

إنّ التسامح يعني أن نقبل بأن البشر من طبيعتها أن تختلف في المظهر، والحالة، والكلام، والسلوك والقيم. ويعني أيضا أنّ للبشر الحقّ في أن تعيش بسلام وأن تكون كما هي…”[10]       

هذه بعض تعاريف التسامح، ولعلّ أشملها وأكثرها دقة هو التعريف الأخير الوارد بالمادة الأولى من “إعلان المبادىء حول التسامح” الذي صدر عن الدول الأعضاء في اليونسكو في 16 نوفمبر 1995م.

التسامح الغربي: بين النظرية والممارسة

لا يجد المرء كبير عناء في إثبات الفشل الغربي في التوفيق بين التنظير للتسامح وتطبيقه على أرض الواقع، فالهوة بينهما عميقة والبون شاسع مما يجعل أمر إدراك الفصل هينا ميسورا.

تقول النظرية إنّ التسامح “موقف يتجلى في الاستعداد لتقبل وجهات النظر المختلفة فيما يتعلّق باختلافات السلوك والرأي دون الموافقة عليها”. وتقول: “باحترام وتقدير وقبول التنوع الثري لثقافات عالمنا، ومختلف أنماطنا التعبيرية، وطرق تحقيق كينونتنا الإنسانية”.

مما يعني أن نظرية التسامح تقرّ بوجود الاختلاف بين البشر في ثقافاتهم وحضاراتهم، وتقبل التنوع بين أنماط العيش المختلفة والسلوكيات المتباينة بين البشر لتباين وجهات نظرهم عن الحياة. ولكن الممارسة العملية تهدم هذا التصور بكلّ مدلولاته ومعانيه وأسسه التي قام عليها.

فالدعوة إلى الاندماج في المجتمع الغربي التي تفيد الذوبان في ثقافة المجتمع وحضارته، والتي تفيد تخلي المسلم عن هويته أي عن عقيدته، وثقافته، وحضارته، وقيمه، على النقيض تماما من نظرية التسامح التي نظّر لها الغرب بمفكريه ومؤسساته المحلية والعالمية.

والحملة المتواصلة على الإسلام في بلاد الغرب أكبر شاهد على هذا التناقض بين الفكر والممارسة. وما يرى من تشويه لصورة الإسلام في وسائل الإعلام، ومن تصريحات يومية تطعن فيه وفي أهله، لا يدلّ مطلقا على احترام وتقدير لبقية الثقافات المغايرة لثقافة الغرب.

ومشكلة”الحجاب” التي أثيرت بقوة مؤخرا في بلاد الغرب خرق فاضح لنظرية تقوم على حرية التدين، وتنصّ على أنّ التسامح “يعني أن نقبل بأن البشر من طبيعتها أن تختلف في المظهر، والحالة، والكلام، والسلوك والقيم.” والأغرب من منع الخمار رؤية رافران رئيس الوزراء الفرنسي الذي اعتبر “أن الحجاب الإسلامي في مدارس الدولة أصبح تحديا سياسيا للقيم الأساسية الفرنسية ممثلة في الانفتاح والتسامح”[11]. وهذا القول يعتبر تزييفا فاق الحدود فيما يمكن تصوره من مخالفة النظرية للممارسة.

والسعي إلى دمقرطة العالم وفرض المبدأ الرأسمالي على كلّ دوله، والنظام الغربي على كلّ شعوبه، أو بتعبير البروفسور البريطاني دامبو Micah Dembo  في مقال له بصحيفة The Independent: “إنّ الأسس الثقافية والفكرية للإرهاب في المجتمعات الإسلامية لا تدمر إلاّ بتغريب westernizing تلك المجتمعات”[12]، مناقضة صريحة لنظرية التسامح. فهي التوتاليتارية بعينها التي أوجبت نظرية التسامح الغربي رفضها. ذلك، أنّ الكليانية Totalitarianism هي “أحد أشكال الحكم مبني على إخضاع الفرد للدولة، وعلى السيطرة الصارمة على جميع مظاهر حياة الأمة وطاقاتها المنتجة، وذلك على أساس افتراضات أيديولوجية تحكمية معينة تبقي الزعامة تطبيقها وتعلنها في جو من الإجماع المفروض بالإكراه على السكان كافة.” [13]               

وما تقوم به أمريكا وإنجلترا في العراق، وما يراد بالعالم الإسلامي ككل من حمله على تطبيق الديمقراطية والعلمانية، وتغيير مناهج تعليمه، ليس إلا كليانية. وهو من باب فرض أيديولوجية معينة على الشعوب من أجل التحكم في طاقاتها ومواردها.

وما قول شيراك رئيس فرنسا، “لا مساومة على العلمانية”، معللا تقنين منع الخمار على المسلمة إلا مخالفة واضحة لنظرية التسامح. لأنه يحدد منطلقا واحدا لا يمكن التنازل عنه، وهو العلمانية، وأما الإسلام وتعاليمه الموجبة على المسلمة لبس الخمار، فهو مما يمكن التنازل عنه. وهذا هو الدغمائية والمطلقية التي أوجبت نظرية التسامح رفضهما. فالدغمائية Dogmatism التي تفيد في أحد مدلولاتها “التصلب في الرأي أو القطع به بدون مناقشة أو تفكير”[14] أو هي” معرفة (مبدأ أو قاعدة) لا يمكن الرجوع عنها…”[15] متجسدة بوضوح في قول شيراك.

والمطلقية Absolutism التي تفيد كون الفكرة نهائية تمثّل وحدها الحقّ  والكمال متجسدة أيضا بوضوح في قول شيراك. فهو يقول صراحة بأنّ الإسلام يقبل المساومة، وعليه التنازل، أما العلمانية فهي قطعية لا تقبل المساومة عليها أو التخلي عنها. إن هذا ضرب من ضروب الكليانية القائمة على عقلية الإقصاء والإبعاد والاستبداد وإن كان مغلفا بغلاف الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان.  

ولا ننسى التصريحات الشهيرة للمستشار الألماني شرودر عقب أحداث 11 أيلول 2001م، حيث اعتبر الهجوم على أمريكا هجوما على العالم المتحضر، ولبرلسكوني الإيطالي عقب الأحداث نفسها حيث قال:” إن الحضارة الغربية أعلى وأفضل من الحضارة الإسلامية”. وكلاهما أجج نار حرب،  وأوقد شعلة صراع حضاري. فقد نسي شرودر أنّ القول بأن العالم الغربي متحضر مرفوض لأنه يفيد عدم تحضر الغير، وهو ما يعني استعلاء على بقية الحضارات وانتقاصا من قدرها، وهي فكرة مناقضة لنظرية التسامح. كما نسي برلسكوني أن القول بعلو الحضارة الغربية وأفضليتها يناقض نظرية التسامح التي تنصّ على التسوية بين الحضارات وعدم وجود أفضلية بينها.

هذا غيض من فيض، والأمثلة على القطيعة بين نظرية التسامح عند الغرب وممارستها، سواء من التاريخ القديم أو الحديث، كثيرة جدّا يصعب حصرها.

سبب القطيعة بين نظرية التسامح وممارستها

إنّ الذي يعنينا أكثر من تعداد مظاهر التناقض بين نظرية التسامح عند الغرب وسلوكه هو السبب في ذلك، فما المظاهر التي ذكرناها أو التي لم نذكرها إلاّ نتائج حتمية وطبيعية لسبب ما. والسبب الذي ولّد حالة الانفصام بين الفكر الغربي وممارساته، وأنشأ القطيعة بين نظريته وسلوكه، هو عدم إيمانه بالفكرة ذاتها. ذلك، أنّ الإنسان إذا آمن بفكرة ما طبقها حتى وإن لم يجن منها نفعا، أو عادت عليه بضرر أو غير ذلك من السلبيات الممكن تصورها عقلا. وبما أنّ الغرب لا يطبق الفكرة التي نظّر لها ودعا العالم أجمع إلى تبنيها والعمل بها، فإنّ ذلك يعني عدم إيمانه الراسخ بها، وعدم القناعة بأسسها، وعدم اعتباره للقيمة المبتغاة من تطبيقها.

وقد يقول قائل: إنّ المظاهر التي يستمدّ منها عدم تطبيق فكرة التسامح، تتعلّق كلها بالمسلمين. وهذا يعني أن الغرب متسامح مع غيرهم وغير متسامح معهم لسلوكياتهم التي تدخل في إطار ما يسمى بـ(صفر تسامح) Zero-Tolerance أو ما لا يمكن التسامح فيه، أو لعقيدتهم التي تمثّل مادة النزاع والصراع الوحيد للمبدأ الرأسمالي.

والجواب على هذا هو أنّ فكرة التسامح كلّ لا يتجزأ، فإذا ما تم الإيمان بها لزم تطبيقها بأكملها، وإذا لم تطبق بأكملها فمعناه أن أهلها لا يؤمنون بها ككل إنما يؤمنون ببعضها ضمن حدود وقيود. مما يعني أنّ الغرب يؤمن بالتسامح مع بني جلدته، ومع المعتنقين لحضارته وثقافته، ولا يؤمن به مع الآخر المخالف له في مبدئه.

ومن ناحية أخرى، فإنّ التسامح في حقيقته لا يكون إلا مع الآخر المخالف، وبعبارة أخرى فإنّ قيمة التسامح تكمن في تطبيقه مع الخصم والعدو، أو كما قيل: “إنّ التسامح يكون مع الشرّ والخطأ ولا يكون مع الخير والحقيقة”.[16] وهو ما أشار إليه فولتير بقوله – كما نسب إليه -: “حتى ولو كنت أخالفك الرأي فإنني مستعد للنضال معك حتى الأخير لكي تقول ما تريد”. لذلك، فإن الإسلام باعتباره المخالف الوحيد للمبدأ الرأسمالي، هو معيار نجاح فكرة التسامح الغربية أو فشلها. فإذا ما تسامح الغرب مع المسلمين، وفق ما تقتضيه نظريته التي نظر لها، فإن ذلك يدل على إيمانه بنظريته ومثاليته. وأما إذا لم يتسامح الغرب مع المسلمين، ولم يعتبر ما نظر له وجعله أساس فخر ورقي، فإن ذلك يدلّ على عدم إيمانه بالفكرة المسبب للفشل في التطبيق.

وأما العوامل التي أفرزت عدم إيمان الغرب بفكرة التسامح التي نظر لها، وعدم قناعته التامة بأسسها وعدم اعتباره للقيمة المبتغاة من تحقيقها، فهي التالية:

1 . عدم تصديق الفكرة

إنّ الفكرة لا تؤثر في السلوك إلاّ إذا صدّقها الإنسان واقتنع بها. والحقيقة، أنّ فكرة التسامح، وعلى وجه الخصوص التسامح مع المسلمين، لم تتحول إلى قناعة عند أغلب الغربيين، وذلك لأمور كثيرة نذكر منها ما يلي:

أ . مفاهيم الأعماق

هناك جملة من المفاهيم لدى الإنسان مغروسة في أعماقه، موجهة لميوله ومؤثرة في سلوكه تظهر من حين إلى آخر في مواقف معينة عبر أقوال وأفعال. هذه المفاهيم هي التي يطلق عليها مفاهيم الأعماق.

والذي يجري في داخل الإنسان، هو أنّ الفكر الذي ينظّر له ويريد أن يطبّقه ويمارسه قد يصطدم بمفهوم من مفاهيم أعماقه يناقضه ويدفعه، فيصعب في هذه الحالة تصديقه أو الإقتناع به.  

وقد أشار سيجموند فرويد Freud إلى هذا المعنى بناء على تقسيمه للنفس البشرية ودوافع السلوك الإنساني، فقال بفكرة slips of the tongue زلة اللسان. وهو الخطأ الذي يجري على لسان الإنسان بناء على طفو مفاهيم الأعماق لديه المخزنة في اللاشعور.

ولو أخذنا بنظرية فرويد هذه، وطبقناها على تصريحات الساسة والإعلاميين وغيرهم من الغربيين لوجدنا أن مفاهيم الأعماق تجاه المسلمين سلبية. مثال ذلك، مناداة بوش الصغير بعد أحداث أيلول 2001م بـ”حرب صليبية”، اعتبرت زلة لسان منه تراجع عنها. ولكن كيف نفهمها على ضوء تفسير فرويد المعتمد عند الغرب في التحليل النفسي؟ ومثال ذلك أيضا، قول برلسكوني بأفضلية الحضارة الغربية الذي اعتبر زلة لسان وتراجع عنه. فكيف نفهمه على ضوء التحليل الفرويدي؟ والأمثلة على هذا كثيرة لا ينكرها نزيه.

والحاصل، فإنّ مفاهيم الأعماق لدى الغرب عن الإسلام والمسلمين أقوى من أن تزيلها نظرية التسامح، وأعمق من أن تمحوها فكرة احترام الآخر وقبوله، لأنها فكرة متجذرة في النفوس والعقول منذ مئات السنين. والنتيجة بتعبير الدكتور مراد هوفمان هي: “إن الغرب يتسامح مع كل المعتقدات والملل حتى مع عبدة الشيطان ، ولكنه لا يُظهر أي تسامح مع المسلمين ، فكل شيء مسموح به إلا أن تكون مسلماً!”[17]

ومما تجب الإشارة إليه، أننا نقول إن مفاهيم الأعماق السلبية عن الإسلام موجودة منذ مئات السنين ولا نقول بعد 11/09/2001م لأنّ الحقيقة هي أنّ أحداث سبتمبر/أيلول وما تبعها من تغيّرات عظمى في السياسة العالمية والمحلية أظهرت مفاهيم الأعماق ولم توجدها. وخير شاهد على ما نقول النقول التالية لبعض الغربيين:

يقول المستشرق الشهير غوستاف لوبون: “تراكمت أوهامنا الموروثة ضد الإسلام بتعاقب القرون، وصارت جزءاً من مزاجنا، وأضحت طبيعة متأصلة فينا تأصُّلَ حقدِ اليهود على النصارى الخفيّ أحياناً والعميق دائماً.”[18]   

ويؤكّد ليوبولد فايس هذا بقوله : “إن روح الحروب الصليبية ما تزال تتسكع فوق أوربا ، ولا تزال تقف من العالم الإسلامي موقفاً يحمل آثاراً واضحة لذلك الشبح المستميت في القتال.”[19]                

ويقول المستشرق فان كونجزفالد: “من أراد في الغرب الدخول في نقاش حول الإسلام، فإنه سيواجه عقدة مستمرّة من المفاهيم التي قد سبق وتشكّلت في أغلبها منذ الأجيال السابقة.”[20]

ويقول الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية نيكسون: “يميل كثير من الأمريكيين إلى تصور المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، المتوحشين وغير العقلانيين، وعلى الغالب لا يلفت انتباهنا فيهم سوى أن بعض زعمائهم لهم الحظ السعيد في أنهم يحكمون أقاليم تحتوي في باطن أرضها على ثلثي الاحتياطات المؤكدة من النفط في العالم. ليس هنالك من شعب، حتى ولا الصين الشعبية، له صورة سلبية في ضمير الأمريكيين بالقدر الذي للعالم الإسلامي.”[21]

وتقول كارين آرمسترونغ (Armstrong) في كتابها (محمد: سيرة نبي): “لدينا في الغرب تاريخ طويل من الحقد والعداء تجاه الإسلام، ولكن هذه الكراهية ما زالت تزدهر وتكبر على جانبي المحيط الأطلسي، ولا شيء يمنع الناس من مهاجمة هذا الدين حتى وإن كانوا لا يعلمون عنه شيئا.”[22]

ويقول الصحفي آلان روسكيو RUSCIO: ” من أين يأتي هذا الحقد المتأصل الذي يكنه جزء لا يستهان به من الفرنسيين تجاه المغاربة المقيمين في فرنسا؟ أو بشكل عام، تجاه المسلمين؟… قد يفاجأ الجمهور الفرنسي عام 2004م كثيرا إذا اجبنا بأن العنصرية المضادة للعرب تعود إلى القرون الوسطى، إلى بداية الغزو المضادReconquista  إلى الحملات الصليبية أو ربما الى ما قبل هذا التاريخ. أليس من اللافت أن تكون بعض العناصر المكونة لثقافة الفرنسيين التاريخية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجابهات مع العالم العربي الإسلامي؟ بالتسلسل الزمني: معركة بواتييه، معركة رونسفو، الحملات الصليبية… “[23]

ب .  ضعف التركيز

إنّ الفكرة إذا ما تم تبنيها تتطلب عملا دؤوبا لترسيخها في العقول وتركيزها في النفوس، وذلك عبر جملة من الأعمال كالتثقيف والدراسة والدعوة والدعاية. والملاحظ، أنّ فكرة التسامح التي تبناها الغرب، ونصّ عليها في قوانين عالمية، وأبرزها من خلال مؤسسات دولية متعددة كاليونسكو، لا تحظى بهذا التركيز إلا في بلاد المسلمين.

ففي بلاد المسلمين تجري عملية تغيير المناهج بما يتناسب والذوق الغربي، وتجري عملية مراقبة وسائل الإعلام بما يتفق مع الرؤية الغربية. وأما في بلاد الغرب نفسها، فلا شي من ذلك يحدث، ولا زال الأمر على ما هو عليه. بل إن التركيز الفكري لا يجري على فكرة التسامح، ولا يتفق مع معانيها ومدلولاتها المقررة. وخير شاهد على هذا ما نشرته مؤخرا الصحف الدنماركية والنرويجية من صور مشوّهة للنبي صلى الله عليه وسلم.

فالحقيقة الماثلة للعيان، هي أن وسائل الإعلام الغربية، المقروءة منها والمرئية والمسموعة، تركز فكرة سلبية عن الإسلام والمسلمين. فكم هي المقالات، والكتب، والبرامج التلفزيونية والأفلام التي تبرز الإسلام كدين عدواني، والمسلم كإرهابي، والمسلمة كمقهورة متخلفة. ويعترف عالم الاجتماع الأمريكي نيكولاس هوفمان بهذا فيقول: “لا توجد ديانة أو قومية أو ثقافة كثقافة العرب والمسلمين تتعرض في الولايات المتحدة لمثل هذا التشويه الفظيع”.[24] وتقول آرمسترونغ: “إن الإعلام الغربي يثير انطباعات بأن التشدد والتزمت الديني الذي يتسم بالعنف ويسمى (التعصب) هو ظاهرة إسلامية بحتة”.[25]    

إن هذه الأعمال المصطنعة والمقصودة لا يمكن أن تركز فكرة التسامح في عقل الإنسان الغربي ونفسه، بل هي على النقيض من ذلك تشحن انفعالاته السلبية، وتعمّق مفاهيمه الموروثة عن الإسلام والمسلمين. إنها لا تصور الآخر إلا بسلبية، وتجعل منه الجحيم. لذا، فمن المستحيل أن يتحول التسامح إلى قيمة حقيقية عند الغرب إلا إذا سعى بجدية لتركيزها، واتخذ الإجراءات اللازمة لحصولها.

 2 . عدم الانسجام بين النظرية والأيديولوجية          

بما أنّ القواعد الفكرية والمقاييس الكلية المرتبطة بالأيديولوجية التي يعتنقها الإنسان هي الموجهة لسلوك هذا الإنسان ومعاملاته وعلاقاته مع غيره، فإنّه لا بدّ للفكرة الفرعية المراد العمل بها، وتطبيقها، الانسجام مع تلك القواعد والمقاييس، والتناسق معها. فإذا كانت الفكرة المنظر لها من غير جنس الأيديولوجية المعتنقة، أو القواعد العامة والمقاييس الكلية المتخذة، كان فشلها حتميا.

والتسامح كنظرية تحمل في طياتها مدلولات أخلاقية وإنسانية أبعد ما تكون عن المصلحة والمنفعة، لا يمكن تطبيقها تطبيقا كاملا مثاليا عند الغرب لعدم تجانسها مع قاعدة أساسية في الفكر الغربي هي النفعية. ذلك، أن التسامح في واقعه يفيد بقاء الآخر على ما هو عليه، ويفيد حقّ الآخر في تحديد عقيدته، ونظامه، وثقافته، وحضارته ودولته أو بتعبير إعلان مبادىء التسامح الذي قرره اليونسكو يفيد “احترام وتقدير وقبول التنوع الثري لثقافات عالمنا، ومختلف أنماطنا التعبيرية، وطرق تحقيق كينونتنا الإنسانية”. فإذا ما ترك الأمر للمسلمين اختاروا الإسلام كمبدأ، وحكم ونظام، وهو ما يتعارض –كما يرى الغرب- مع المصالح الغربية المتمركزة في العالم الإسلامي.

لقد كان من الصعب على الغرب أن يوفق بين نظرية التسامح وعقيدة الأمن القومي عند الأمريكان Doctrine of American National Security التي ترى في وجود النفط بالعالم الإسلامي “غلطة الرب”، أو أن يوفق بين نظرية التسامح الأخلاقية وأس السياسة عنده المتمثّل في الميكيافلية التي تقضي “بإيثار الغشّ والخداع والمراوغة والتسويف وسوء النية والدهاء والأنانية في تحقيق الأهداف المنشودة، دون إقامة أي اعتبار لنداء الضمير أو مبادىء الدين والأخلاق، على أساس أنّ الغاية تبرّر الوسيلة”[26].

لذلك، كان على الغرب أن يرجح بين نظرية التسامح والمصلحة، فاختار المصلحة واحتل أفغانستان والعراق، ودعم الكيان الصهيوني والدكتاتوريات في العالم الإسلامي.

وأما نظرية التسامح فلم يلغها أو يبطل الدعوة إليها إنما استعملها وفق مقياسه النفعي كقناع وشعار زائف يستر حقيقة أهدافه الاستعمارية، ويخفي أطماعه الرأسمالية. فهي كإنجيل الرجل الأبيض الذي قال فيه سيمونز:” “جاء الرجل الأبيض إلى إفريقيا وبيده الإنجيل … ولكن بعد أن مرت عقود قليلة أصبحت الأرض للرجل الأبيض، وأصبح الإنجيل بيد الزنجي!”.

إنّ الحضارة الغربية في واقعها حضارة مادية، فقد قامت على تصور للحياة بأنها منفعة، وأنّ “المصلحة وحدها هي الحافز للسلوك الإنساني”، لذلك فإنها لا تقيم لغير المنفعة وزنا، ولا تعترف إلاّ بها، وتجعلها هي الأساس. وأما القيم الروحية والأخلاقية فهي ثانوية وليست أساسية. يقول كولن ولسون : “أَنظر إلى حضارتنا نظري إلى شيء رخيص تافه، باعتبار أنها تُمثل انحطاط جميع المقاييس العقلية.”[27] و يقول المؤرخ أرنولد توينبي: “إن الحضارة الغربية مصابة بالخواء الروحي الذي يُحوّل الإنسان إلى قزم مشوّه يفتقد عناصر الوجود الإنساني، فيعيش الحد الأدنى من حياته، وهو حد وجوده المادي فحسب، والذي يُحول المجتمع إلى قطيع يركض بلا هدف، ويُحول حياته إلى جحيم مشوب بالقلق والحيرة والتمزق النفسي”.[28] و يقول الكاتب الإنجليزي جود Joad : “…إن الحضارة الحديثة ليس فيها توازن بين القوة والأخلاق، فالأخلاق متأخرة جداً عن العلم فقد منحتنا العلوم الطبيعية قوة هائلة ولكننا نستخدمها بعقل الأطفال والوحوش.. وإن سمّ الانحطاط هو خطأ الإنسان في فهم حقيقة مكانته في الكون، وفي إنكاره عالم القيم، الذي يشمل قيم الخير والحق والجمال”.[29] ويقول مايكل هارنجتون : “هل هناك في مجتمعنا التكنولوجي ميثاق أخلاقي ينقذنا من عبقريتنا ؟”.[30] وتقول ألكسيس كارليل: “في المدينة العصرية قلما نشاهد أفراداً يتبعون مَثلاً أخلاقياً، مع أن جمال الأخلاق يفوق العلم والفن من حيث أنه أساس الحضارة … كما أن هذه المدنية هبطت بمستوى ذكاء الشعب، بدليل وجود هذا العدد الكبير من المجانين بيننا”.[31] ويقول البروفسور دون فان إيتن أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا: “لا شك في أنّ عقيدتنا الرأسمالية بلا خلق ولا دين، هكذا هي منذ أن ولدت حتى يومنا هذا.”[32] ويقول لي آتووتر Atwater وهو أحد الرموز البارزة في إدارة الرئيس ريغان في عدد فبراير 1991م من مجلة Life : “…لقد ساعدني مرضي على أن أدرك أن ما كان مفقودا في المجتمع كان مفقودا في داخلي أنا أيضا: قليل من الحب والمودة وقليل من الأخوة…لا أعلم من سيقودنا في عقد التسعينيات، ولكن ينبغي عليه أن يتحدث صراحة عن هذا الخواء الروحي في قلب المجتمع الأميركي، إنه ورم خبيث ينتشر في أرواحنا”.[33] ويقول الصحفي الأمريكي المشهور غونتر Jhon Gunther في كتابه (داخل أوروبا) : “إن الإنجليز إنما يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة.” [34]

إنّ هذه النظرة  المادية هي التي أشقت الإنسان بوصفه الفردي والجمعي، وهي التي أفرزت أزمة الإنسان التي عبر عنها ثلة من مفكري الغرب بعبارات مختلفة كقول إميل بريهية Brehier في كتابه (اتجاهات الفلسفة المعاصرة): “…إن المعرفة المادية انتهت إلى حضارة صناعية موغلة في المادية استأصلت إنسانية الإنسان وأفقدته ذاته وحولته إلى شيء و آلة”[35].

إنّ الأيديولوجية الغربية القائمة على النفعية، لا ترى في الأخلاق واجبا يلتزم به، بل مصلحة. وهو ما عبّر عنه فولتير بقوله: ” … لا بدّ للبلد ليكون صالحا أن يكون له دين. أريد من زوجتي وخياطي ومحاميي أن يؤمنوا بالله وبذلك يقل غشّهم وسرقاتهم لي. وإذا كان لا وجود لله يجب علينا أن نخترع إلها…”[36] ويقول جور سانتيانا: ” إنني أصدق المذهب الكاثوليكي ولو أنني أعلم أنه كاذب.”[37] وهي نظرة لا يمكن أن تنتج الإلتزام الضروري بأي فضيلة أو خلق لأنها تربط الخلق نفسه بمقدار ما يحقق من مصلحة.

وعليه، فقد كان من الطبيعي أن تفشل نظرية التسامح في ملامسة عقل الكثير من الغربيين ونفسيتهم، وكان من الطبيعي ألاّ تجد لها مكانة في عمق الغرب حتى تؤثر في نظرته إلى الآخر وتوجه سلوكه نحوه بناء على معانيها ومدلولاتها.

3 . انعدام الحافز على التطبيق

يسأل المرء نفسه قبل التزامه بعمل من الأعمال عن دواعي هذا الإلتزام، فيقول: لماذا ألتزم بهذا العمل؟

وإذا اعتبرنا أن هذا العمل الذي نريد للإنسان أن يلتزم به هو التسامح، لكان السؤال: لماذا ألتزم بالتسامح؟

والجواب الذي يمكن للإنسان الغربي أن يتلقاه لا يخرج عن اثنين هما؛ الإلتزام بالتسامح واجب أخلاقي، أو الإلتزام بالتسامح قانون يعاقب على الإخلال به.

أما الجواب الأول فلا يعوّل عليه لأن تحقيق القيمة الأخلاقية ثانوية وليست أساسية كما مر معنا.

وأما الجواب الثاني فممكن اعتباره حافزا على الإلتزام، إلا أنه يصطدم بعوائق كثيرة تقلل من نسبة الملتزمين به. ومن هذه العوائق ما يلي:

  • إنّ تحقق القانون والالتزام به مرتبط بمدى سلطانه على نفوس الناس. وسلطان القانون في واقعه أدبي معنوي متوقف على مدى احترام الإنسان له. فهل من ضمان يضمن احترام الإنسان الغربي لقانون التسامح إذا فقد القانون سلطانه على نفسه؟
  • إنّ القانون يلتزم به عادة لما تجرّ مخالفته من عقاب. فإذا أمن الإنسان العقاب، ذهبت هيبة القانون من نفسه. وهذا يعني أن الإنسان قد لا يلتزم بالقانون إذا غفل عنه بل إنه قد يُنظر إلى الخارج عن القانون كبطل استطاع بذكائه خداعه. وفي غالب الحالات يتعاطف معه الناس لهذه العبقرية في خداع القانون. ولا أدل على ذلك من أفلام هوليود التي تحطم الأرقام القياسية في الربح إذا ما أبرزت شخصية لص ظريف سرق بنكا ونجا.  
  • إنّ القانون يلتزم به بغضّ النظر عن القناعة بنصه أو عدمها. لذلك فإن تقنين التسامح لا يفيد البتة القناعة به. وإذا لم تتم القناعة بنظرية التسامح كان القانون في حدّ ذاته حاجزا بين الباطن والظاهر. فطاهر الإنسان رحمة خشية عقوبة القانون، وباطنه نقمة.
  • إنّ الإنسان الغربي في حقيقته بين اثنين؛ ملحد ومؤمن. فالملحد لا يعنيه مخالفة القانون الدنيوي إذا أمن عدم العقاب لأنه لا يؤمن بعقاب أخروي. وأما المؤمن فلا تمثّل مخالفة القانون الدنيوي عقبة كبيرة له في الظفر بنعيم الجنة الأخروي؛ لأن جلسة اعتراف Confessio تمحو ذنوبه وإن عظمت. علاوة على ذلك فإن الدين منفصل عن الحياة مما يجعل أمر تسيير السلوك غير مرتبط به حتى عند المؤمن نفسه. 

وعليه، فإن الحافز الوحيد الممكن تصوّره كعامل مؤثر في الإلتزام بالتسامح، ألا وهو القانون، يصطدم بعوائق كثيرة تقلل من نسبة الإلتزام به وتزيد من نسبة عدم الإلتزام به.

ومما تجب الإشارة إليه ضمن هذا السياق لمزيد بيان انعدام أثر القانون في ضبط السلوك، فساد الفلسفة التي قام عليها القانون الغربي نفسه. فمفهوم القانون «هو مجموعة القواعد العامة الجبرية التي تصدر عن إرادة الدولة وتنظم سلوك الأشخاص الخاضعين لهذه الدولة»[38] وبناء على هذا المفهوم فإنّ القانون “من أهم وسائل الضبط الاجتماعي بل هو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع المنظّم في ضبط سلوك أفراده”[39]. مما يعني أن القانون عند الغرب هو الأساس في تنفيذ النظام. ولمّا كان القانون أساس تنفيذ النظام قائما على معنى الإجبار والقسر والإلزام بالقوة الذي يعني العقوبة التي توقعها الدولة على مخالفه، فإنّ المشرّع الغربي لم يعتبر الإلتزام بالنظام إلا بالقوة. فهو في نظره غير تلقائي، ولا ينبع من إيمان أو من أي دافع معنوي أو روحي أو أخلاقي، وذلك لأنّ القانون نشأ بموجب فكرة تنازل الفرد عن جزء من حريته، مما يعني وجود الصراع بين الفرد والقانون نفسه. وهذا في حدّ ذاته يعد كافيا للتدليل على عدم وجود ضمانة لتطبيق التسامح حتى وإن قنن، لأن التسامح في واقعه قبل أن يكون مادة قانونية ملزمة فهو موقف فكري وقابلية نفسية لقبول الغير لا يتحققا إلاّ بالقناعة.

4 . خلفية فكرة التسامح

بنيت نظرية التسامح على أسس فكرية وفلسفية معينة. فقد نظر إليها “كاستراتيجية محققة للوفاق والانسجام بين حرية كلّ الأفراد في مسائل العقائد، والقيم وطرق العيش وبين حرية الآخر، وكأداة تقلّل من إكراه الدولة. وإذا أخذ بعين الاعتبار أن أهداف الليبرالية الأساسية هي حماية الحرية الشخصية ودعمها، وتقييد إكراه الدولة المبرر، فإنّ التسامح معتبر كعنصر أساسي في المشروع الليبرالي”[40].

ويرى المؤرخ البروفيسور برنارد لويس:” أن فكر التسامح قد ولد في النصرانية على أثر الحروب الدينية في أوروبا والتي راح ضحيتها آلاف النصارى نتيجة الصراع الدموي بين الكاثوليك والبروتستانت، فالتسامح وهو الذي يعني فصل الدين عن أعمال الدولة، وباختصار هو العلمانية التي وُجِدت لحلّ مشكلة النصرانية…”[41]

إذا، فالتسامح كفكرة نشأت مع نشأة المشروع الليبرالي في الغرب، وارتبطت ارتباطا وثيقا بتصوراته الوجودية، ومنظمومته الفكرية والقيمية.

وإذا نظرنا إلى دعوة التسامح التي يطلقها الغرب اليوم، ويحثّ العالم بأجمعه على الإلتزام بها، نرى بوضوح أنه يربط بين التسامح ومنظومته الفكرية والقيمية. فلا نجده يراعي فرق الخصوصية الثقافية والحضارية الذي أكده “إعلان المبادىء حول التسامح” بقوله: “احترام وتقدير وقبول التنوع الثري لثقافات عالمنا…” وقوله: ” إنّ التسامح يعني تحمّل مسؤولية المصادقة على حقوق الإنسان”. ولا نجده يراعي مبدأ النسبية الثقافية الذي يروّج له الغرب في بلادنا بقوله: إن “القيم الموجودة في أية ثقافة يجب أن تفهم وتقيم تبعا للطريقة التي بنظر بها أصحاب هذه الثقافة إلى الأشياء ومن ثم فإن التقاليد إحدى الثقافات لا يمكن الحكم عليها موضوعيا على أنها أعلى من تقاليد ثقافات أخرى.”[42]  

نعم، لم نجد من الغرب مراعاة لكل هذه النظريات التي نحمل على القول بها، بل وجدناه يبني نظرية التسامح التي أريد إلزام الأمم بها على نظرة ذاتية وخاصة إلى الدين والثقافة والحضارة والقيم والحكم.

ففكرة التسامح إذن هي فكرة يروّج لها الغرب، ويسعى لتقنينها عالميا، كوسيلة من وسائل الترويج لقيمه، وكآداة من أدوات فرض تجربته التاريخية والحضارية والثقافية على العالم بأجمعه. ولا يخفى علينا أن التجربة الغربية الحضارية تقوم على ركائز أساسية هي: إحلال الطبيعي محل الإلهي، والعقل محل الوحي، والإنسان محلّ الله، والقانون الوضعي محل القانون السماوي.  

وهكذا نرى الغرب يعتمد فكرة التسامح لضرب الإسلام، والقضاء على أحكامه الربانية. فنراه يعتبر الجهاد إرهابا، وخطرا على العالم، وفكرة مرعبة تبثّ الفزع في نفوس العالمين. ونراه يعتبر تحريم زواج المسلمة من غير المسلم تقييدا لحرية المرأة، وهضما لحقها، وتمييزا عنصريا. ونراه يعتبر اللواط مطلبا من مطالب التسامح، ويعتبر القول بحرمته تقييدا للحرية الشخصية، وتمييزا جنسيا. فلا نراه يوافق أحكام الإسلام في شييء بل يتقصد مخالفتها والطعن فيها، وحمل العالم الإسلامي على تركها.

خاتمة

إن الغرب متسامح نظريا، غير متسامح عمليا، وهو واقع لا يمكن نكرانه. ولكن، هل يمكن للغرب أن يكون في يوم من الأيام متسامحا حقّا؟ 

هل يمكن أن يكون الغرب الذي يحصر الثقافة والتحضر والتمدّن فيه دون سواه أن يكون في يوم من الأيام متسامحا حقا؟

هل يمكن للغرب الذي يطمع في ثروات المسلمين أن يكون في يوم من الأيام متسامحا حقّا؟

والجواب هو، أن العقل الغربي، كان ولا يزال، لا يسمح بعقل غير عقله، ولا بثقافة غير ثقافته، ولا بمنطق غير منطقه.   

02/2006م


[1]   نقلا عن JEUNE AFRIQUE; LINTELLIGENT العدد رقم 2140 ص103 من مقال باسكال فارجكا.   

[2]  وضع هذا النصّ حرفيا في البند الأوّل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 10 ديسمبر 1948 م.

[3]  Declaration of Principles on Tolerance. Proclaimed and signed by the Member States of UNESCO on 16   November 1995.

[4]  ينظر: ندوة حول ” التسامح بين المفاهيم والواقع”. المجلة العربية لحقوق الإنسان، ص 49- 62 العدد 2 سنة 1995م. 

[5]  معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، د زكي بدوي، ص462

[6]  Brainy dictionary at: www.brainydictionary.com/words/to/toleration230826.html

[7]  Voltaire, Dictionnaire philosophique portatif, 1764, article “Tolérance”, Garnier Frères, 1961.                                                             

[8]   Dictionnaire Robert

[9]  Dictionnaire Lalande

[10]  Declaration of Principles on Tolerance. Proclaimed and signed by the Member States of UNESCO on 16  November 1995. Article1.

[11]  عن صفحة الجزيرة نت 04/02/2004م

[12]  نقلا عن: Islam in the Western Media, By Bashy Quraishi, THE MULTICULTURAL SKYSCRAPER NEWSLETTER, Vol. 1 No. 3. October 2001.                                           

[13]  معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، د زكي بدوي، ص427

[14]  المصدر السابق ص116

[15]  Définitions Alain, les Arts et les Dieux, p.1052

[16]  Dizionario Di Politica, p. 1169, TEA 1990, Milano.

[17]   الطريق إلى مكة ص 149

[18]  عن كتابه “حضارة العرب” ص21

[19]  الإسلام على مفترق الطرق ص64

[20]  حديث عن الإسلام والعصر الحديث ص9

[21]  أمريكا والفرصة التاريخية ص187

[22]  نقلا عن إمبراطورية الشر الجديدة لعبد الحي زلوم ص401

[23]  في جذور العنصرية، Le Monde Diplomatique شباط/فبراير 2004م

[24]  الإسلام فوبيا، ت. س. إليوت 85

[25]  عن إمبراطورية الشر الجديدة لعبد الحي زلوم ص384

[26]  معجم الدبلوماسية والشؤون الدولية لسموحي فوق العادة ص249

[27]  سقوط الحضارة لكولن ولسون ص5

[28]  عن (مقدمات العلوم والمناهج) لأنور الجندي، مجلد4 ص 772

[29]  المصدر نفسه مجلد 4 ص770

[30]  عن الإسلام كبديل، د. مراد هوفمان ص50

[31]  الإنسان ذلك المجهول ص153

[32]  عن نذر العولمة لعبد الحي زلوم، ضمن تعليقات على الكتاب.  

[33]  عن إمبراطورية الشر الجديدة لعبد الحي زلوم ص397

[34]  عن ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي ص263

[35]  نقلا عن المدخل إلى معاني الفلسفة، د. عرفان عبد الحميد، ص79

[36]  نقلا عن قصة الفلسفة لديورانت ص301

[37]  نقلا عن العقيدة في القرآن للتونجي ص101

[38]  النظرية العامة للقانون، سمير عبد السيد، ص7

[39]  علم الاجتماع القانوني: حسن الساعاتي، ص3

[40]  Toleration as Recognition, Anna Elisabetta Galeotti, p. 23, Cambridge University Press 2002                                                                                                                                                            

[41]  في ندوة نُظّمت في فندق كونرار تحت رعاية وزارة الخارجية والمجلس الأوروبي وجمعية الخمسماية سنة تحت عنوان (العنصرية واللاسامية). جريدة تركيا الصادرة في منتصف يناير 1995م.

[42]  معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ص352