وجوب الفصل بين المفاهيم الإسلامية والغربية

ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} (البقرة)،  أي لا تخلطوا الحقّ بالباطل ولا الصدق بالكذب. وذكر السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس في قوله {ولا تلبسوا الحق بالباطل} قال: “لا تخلطوا الصدق بالكذب…”. وذكر أيضا عن قتادة في قوله {ولا تلبسوا الحق بالباطل} قال: “لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله”. قال القرطبي: “وقول ابن عباس أصوب لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال”.(1)

واللبس –كما قال الشيخ الطاهر بن عاشور-:”خلط بين متشابهات في الصفات يعسر معه التمييز أو يتعذر… ويطلق على اختلاط المعاني وهو الغالب… فلبس الحق بالباطل ترويج الباطل في صورة الحق. وهذا اللبس هو مبدأ التضليل والإلحاد في الأمور المشهورة… وحرف أقوام آيات بالتأويل البعيد ثم سموا ذلك بالباطن وزعموا أن للقرآن ظاهرا وباطنا فكان من ذلك لبس كثير، ثم نشأت عن ذلك نحلة الباطنية. ثم تأويلات المتفلسفين في الشريعة كأصحاب الرسائل الملقبين بإخوان الصفاء… وللتفادي من هذا الوصف الذي ذمه الله تعالى قال علماء أصول الفقه إن التأويل لا يصح إلا إذا دل عليه دليل قوي، أما إذا وقع التأويل لما يُظن أنه دليل فهو تأويل باطل فإن وقع بلا دليل أصلا فهو لعب لا تأويل…”.(2)

ومن أشكال اللبس الخلط بين المفاهيم الإسلامية والغربية باستعمال المصطلحات الغربية في وصف الإسلام وأحكامه؛ إذ عمد بعض الناس إلى مصطلحات غربية تحمل دلالات حضارية وثقافية غربية، فاستعملوها بحجة أنها من الإسلام قلبا وقالبا أو بحجة تقريب مفاهيم الإسلام إلى أذهان الناس التي ألفت المصطلحات الغربية واستحسنتها، ومن ذلك قول الشيخ محمد الغزالي: “وأعترف بأنني تجوزت في التعبير أحيانا، وقبلت بعض العناوين الشائعة، كالديمقراطية في ميدان الحكم، والاشتراكية في ميدان الاقتصاد، لا لإعجابي بهذه العناوين، ولكن لأجعل منها جسرا يعبر عليه الكثيرون إلى الإسلام نفسه… وقد جاء من بعدي الأستاذان سيد قطب ومصطفى السباعي عليهما رحمة الله، فألف الأول “العدالة الاجتماعية في الإسلام” وألف الأخير “اشتراكية الإسلام” وهما يقصدان ما قصدت إليه من رد المفتونين بالمبادئ الجديدة إلى مواريث أسمى وأغنى…”.(3) ومن هذه المصطلحات الغربية الدخيلة على ثقافتنا الإسلامية ما بقي على أصله أي بقي على حروفه الأجنبية مع تعريبه كالديمقراطية والليبرالية، ومنها ما ترجم إلى العربية كالاشتراكية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والدولة المدنية وغير ذلك.

والأصل في هذه المصطلحات أنها وضعت للتعبير عن معان ووقائع تدل عليها عند أهلها؛ لأن من وضعها واصطلح عليها من اليونانيين والفرنسيين والإنجليزيين وغيرهم، إنما قصدوا بها مفاهيم ودلالات معينة. ونحن، إنما نقلناها واستعملناها لتدل على المعاني التي عيّنها الواضعون لها، فإن استعملناها لتدل على معان غير معانيها الأصلية الموضوعة لها، أوجدنا حتما لبسا وخلطا في الفهم والمفاهيم يؤدي إلى أخذ المعاني والأفكار التي تناقض الإسلام. هذا إن استعملنا المصطلحات في غير معانيها الموضوعة لها، فما بالك إذا استعملناها وفق معانيها الأصلية المناقضة للإسلام ونسبناها له كمن يتحدث عن “مشروع سياسي للإسلاميين يكون ديمقراطيا لا شبهة فيه” أو من يتحدث عن مسحة جمالية أضفتها الليبرالية على الإسلام ويدعو إلى “تأسيس تيار ليبرالي إسلامي وسطي”.    

إنّ استعمال المصطلحات الغربية في وصف الإسلام وأحكامه يؤدي إلى ضرر كبير حيث تختلط مفاهيم الإسلام بمفاهيم الغرب فلا يدرى بعدها ما هو الحد الفاصل بينها، وما هو الحقّ المحض والباطل المحض. وعادة ما يؤدي هذا الخلط الذي تخفى تفاصيله عن عامة الناس إلى تركيز المفهوم الغربي في أذهان الناس، وضياع الفاصل بينه وبين المفهوم الإسلامي خصوصا إذا كانت الحضارة الغربية هي الحضارة السائدة في العالم والمهيمنة كما هو الحال اليوم. وقد يؤدي الخلط بعرض المفاهيم الإسلامية في قوالب غربية إلى استفادة أعداء الدين منه، فيتخذون من تلك القوالب أو المصطلحات المعتمدة حجة تثبت صدق مفاهيمهم وعدم تعارضها مع الإسلام مما يسهل لهم عمل بثّ أفكارهم غير الإسلامية بين الناس؛ إذ عادة ما تلتفت الناس إلى قوالب الأفكار دون معانيها. وفي هذا السياق يقول الشيخ محمد الغزالي وهو رائد الاتجاه التوفيقي بين المفاهيم الإسلامية والغربية: “وأذكر أن صديقي مصطفى السباعي ألف كتابا عن اشتراكية الإسلام ضمنه حقائق كثيرة لصرف الشباب عن الشيوعية، وقد ندم على العنوان الذي اختاره لكتابه.. وأنا أعلم سر ندمه؛ لأنني خضت مثله هذه المحنة… قد ظهر لنا أن هؤلاء الاشتراكيين العرب يريدون كلمة الاشتراكية وحدها، ولا يهتمون بعد ذلك بالعقائد والعبادات التي هي لباب الإسلام. وعندما كنا نبرز لهم من تعاليم الإسلام ما يغني عن المبادئ والتطبيقات التي سحرتهم من ثقافة الغرب والشرق، كانوا يأخذون هذا البدل المعروض ويجردونه من صيغته الإسلامية”.(4)   

وقد دلت جملة من النصوص في الكتاب والسنة على أن استعمال المصطلحات محكوم بقاعدة توافقها مع الشرع، وأن الألفاظ التي يختلط فيها الأمر ويلتبس بحيث يحصل من استعمالها تشوش واضطراب، يكره استعمالها، وقد يحرم إذا كانت مناقضة للإسلام صراحة ويؤدي استعمالها إلى تحريف المفاهيم الإسلامية:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} (البقرة).

وقال: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِن الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا… (275) (البقرة).

وأخرج مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أنه قال: “سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: “لا أحب العقوق” فكأنه إنما كره الاسم”. قال الخطابي (في شرح سنن أبي داود): “وليس فيه توهين العقيقة ولا إسقاط لوجوبها وإنما استبشع الاسم وأحب أن يسميه بأحسن منه كالنسيكة والذبيحة”.

وهذا كما كره الرسول صلى الله عليه وسلم تسمية العشاء بالعتمة، وتسمية المدينة النبوية بيثرب، وتسمية العنب بالكرم.

وعليه، “فلا يجوز أن نقول في الإسلام حريات عامة، لأنها مصطلح غربي رأسمالي، يعني حرية العقيدة والرأي والتملك والحرية الشخصية، وهذا المعنى غير موجود في الإسلام، فالمسلم إن ارتدَّ عن الإسلام وأصر على ذلك كانت عقوبته القتل، وإن كان رأيه يؤذي الآخرين دون حق عوقب، ويحرم عليه التملك إلا بالأسباب التي بينها الشرع، وهو مقيد بسلوكه الشخصي بأحكام الإسلام، فالحريات الأربعة غير موجودة في الإسلام، فالدعوة إليها وممارستها حرام شرعاً. وكذلك الديمقراطية، وهي حكم الشعب للشعب وبالشعب، كما عرفها أصحابها، فلا يجوز الدعوة إليها أو أخذها، لأن الواقع والمعنى الذي تدل عليه مخالف للإسلام، لأن الحكم في الإسلام لله وليس للشعب، وأيضاً لا يجوز تزيينها بتغيير معناها، كمن ادعى ((بأن الديمقراطية وسيلة، وآلية من آليات اتخاذ القرار والحوار، وهي ليست مذهباً أيدلوجياً يتناقض مع الإسلام … ولذلك يجوز أخذها من قبل المسلمين)) بينما الديمقراطية فكرة أساسية مرادفة لعقيدة فصل الدين عن الحياة، وهي عقيدة كفر لا يجوز أخذها، ولا التحاكم لما يصدر عنها من نظام”.(5)

وكذلك أيضا الليبرالية، فهي مذهب فلسفي سياسي اقتصادي اجتماعي يقوم على أساس الحرية المطلقة والعقلانية والعلمانية. يقول منير البعلبكي في تعريفها: ” الليبرالية فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع عشر… تعارض المؤسسات السياسية والدينية التي تحد من الحرية الفردية، وتنادي بأن الإنسان كائن خيّر عقلاني، وتطالب بحقه في التعبير وتكافؤ الفرص والثقافة الواسعة…”(6)، فهي كما هو واضح من تعريفها مناقضة للإسلام في أصوله وفروعه.

إن الله سبحانه وتعالى سمى القرآن بالفرقان؛ لأنّه يفرق ويفصل بين الحقّ والباطل. قال الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (1)} (الفرقان). وإنّ الإسلام سمّى فرائضه وأحكامه بالحدود؛ لأنّها قمّة الدقة والوضوح في الفصل بين الأمور. فهي كما قال القرطبي في تفسيره “تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج منها ما هو منها”. قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُم الظَّالِمُونَ (229)} (البقرة). لذلك فالأصل في المسلمين أن يحافظوا على صفاء الثقافة الإسلامية ونقائها باجتناب ما من شأنه أن يكدّر هذا الصفاء فيؤدي إلى الخلط بين مفاهيم الإسلام والكفر أو بين الصدق والكذب.

17 ذو الحجة 1427هـ

___________________________

(1) تفسير القرطبي، ج1 ص380

(2) التحرير والتنوير، ج1 ص470-472

(3) قذائف الحق، للشيخ محمد الغزالي، ص155

(4) الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر الهجري، للشيخ محمد الغزالي، ص119

(5) نقلا عن مفاهيم إسلامية، للدكتور محمد حسين عبد الله، ج2 ص4

(6) ينظر موسوعة المورد العربية، ج4 ص1050